هذا الضَّغطَ على مبدأ رَدِّ الفِعْل.
ويعني بتَمَوُّجِ الجسمِ الرَّطْبِ السيَّالِ المُنضغِط بين الجِسمَين: الوَسَطَ المَرِنَ المُؤَهَّلَ لنقلِ الصَّوتِ، فالصَّوتُ يُمكِن أن ينتقِل في أيِّ وسطٍ مادِّيٍّ ـ مثل الهواء والماء ـ تَتَمتَّعُ جُزَيئاتُه بخاصِّيَّةِ المُرُونة التي سمَّاها: (الرَّطْب) ، وخاصِّيَّة الاهتزاز التي سمَّاها: (التَّمَوُّج) ، وخاصِّيَّة الرُّجوع إلى وضعِه الأصليّ بعد زوال التأثير عليه، والتي سمَّاها: (السيَّال) [1] .
وقبل أن أخوض في مصطلحات القوة الضاغطة فإنَّني أشيرُ إلى أنواع الأجسام المتصادمة:
أنواعُ الأجسامِ في الطبيعة ثلاثة: صُلْبَةٌ كالمعادن، وسائلَةٌ كالماء، وغازيَّةٌ كالهواء:
فقد يَصْدِمُ الصُّلْبُ الصُّلْبَ، كضربك بيدكَ على الطاولة. وقد يَصْدِم الصُّلْبُ السَّائلَ، كضربكَ براحة يَدِكَ على صَفْحَةِ الماءِ. وقد يَصْدِم الصُّلْبُ الغازَ، كضَرْبِ السَّوطِ أو عَصَا الخيزران في الهواء.
وقد يَصْدِم السَّائلُ السَّائلَ، كصَبِّ الماءِ على الماء. وقد يَصْدِم السَّائلُ الصُّلْبَ، كصَبِّ الماءِ على المعادِن. وقد يَصْدِم السَّائلُ الغازَ، كرشِّ الماء في الهواء.
وقد يَصْدِم الغازُ الغازَ، كصَوت الرِّيح القويَّة. وقد يَصْدِم الغازُ الصُّلْبَ، كصَدْمِ الهواءِ تَجْويفاتِ أعضاءِ النُّطْق. وقد يَصْدِم الغازُ السَّائلَ، كالنَّفخ في الماء بقوَّةٍ لتَخْرُجَ فقاعات.
ويُشترَطُ لحدُوثِ الصَّوْتِ أو المَوْجَة الصَّوتيَّة في ذلك كلِّه: السُّرْعَة [2] في الجسمِ الصَّادِمِ، والمقاوَمَةُ في الجِسْمِ المصْدُوم، وانضغاطُ الوسَطِ بينهما.
وقد أشار المتقدِّمون إلى هذا التَّصَادُمِ بين الأجسام، فمثلًا الرئتان والحجاب الحاجز يعدَّان من الأعضاء القارعة حيث يستعمِلان الهواء ويدفعانِه إلى أعلى ويقرعانَ به تجويفات أعضاءِ النُّطق، قال الفارابيُّ:"والعُضوُ القارعُ، إمَّا يدُ الإنسان، وإمَّا العُضوُ الذي يَدْفَعُ هواءَ التنفُّس من داخلِ الصَّدْرِ إلى خارجِ الفم، واليدُ إمَّا أن تَقْرَع بنفسها أو بجسمٍ آخَر، وأمَّا الذي يَدْفَعُ هواءَ التنفُّس فهو إنَّما يَقْرَعُ بالهواء الذي يَدفعُه."
والجسْمُ المقروعُ باليد هو ما جانس العيدان والمعازِفَ، وأمَّا الذي يَقرعُه العُضو الدافعُ لهواء التنفُّس فهو
(1) قال ابن سينا في الشفاء في القسم الخاصّ بالطبيعيَّات ص 245:"السيَّالُ لا يَحفَظُ الجسمَ إلا زمانًا يَجِبُ ضرورةً بين كلِّ حركتَين مختلفتَين، وفي ذلك الزَّمان يكونُ ملاقِيًا لفَاعلِ الحجم، ولا يُمكِنُ أن يَحْفَظَ الحجمَ والشَّكْلَ مع مفارقةِ الفاعلِ ألبتَّة".
(2) السُّرعة لها علاقة بالقوَّة، ويُمثِّلُ هذه العلاقةَ قانونُ نيوتن الثاني للحركة، ونصُّهُ:"إذا أثَّرَتْ قوَّةٌ على جسمٍ مَّا فإنَّها تُسَبِّبُ تَسارُعَ الجسمِ في اتِّجاه القوَّةِ المؤثِّرَة، ويتناسبُ مِقدارُ التسارُعِ تناسُبًا طَرْديًّا مع مقدار القوَّةِ وتناسُبًا عكسيًّا مع كتلةِ الجسم"اهـ. فالقوَّةُ ـ وفقًا لهذا القانون ـ تُحدِثُ تسارُعًا أقلّ في الجسمِ الأكبرِ كتلةً، وبالتالي تكونُ مقاومتُه أكبرَ لأيِّ تغيُّرٍ في حركته. والكتلةُ هي كمِّيةُ المادَّة الموجودة في الجسم. (الفيزياء للأدباء ص 81) .