استثناءً من القاعدة العامَّة، وهي أنَّ الكلامَ في جَوهره نوعٌ من الاستغلال لهواءِ الزَّفير والتحكُّم فيه [1] .
ونبَّه المتقدِّمون أيضًا إلى أنَّ خروجَ هواءِ الزَّفير أثناء عمليَّة التَّصويت يختَلِفُ عنه في عمليَّة التنفُّس، وأشار الفارابيُّ إلى ذلك بقولِه:"وهذا الهواءُ الذي يَجْذِبُه الإنسانُ إلى رِئَتَيْهِ وداخِلِ صَدْرِه مِن خارجٍ لِيُرَوِّحَ به عن القَلْبِ، ثمَّ يَدْفعُه منها إذا سَخُنَ إلى خارجٍ، فإذا دَفَع الإنسانُ هواءَ التنفُّس إلى خارجٍ جُملةً واحدةً وترفَّقَ لم يَحْدُثْ صوتٌ محسوسٌ، وإذا حصَرَ الإنسانُ هذا الهواءَ في رئتَيْهِ وما حوْلَها مِن أسفلِ الحلْقِ، وسَرَّبَ أجزاءَه إلى خارجٍ شيئًا فشيئًا على اتِّصالٍ، وزَحَمَ به مُقَعَّر الحَلْقِ وصَدَمَ أجزاءَهُ حدَثَتْ حينئذٍ نَغَمٌ بمنزِلَةِ ما تَحْدُثُ في سُلُوكِ الهواءِ في المزاميرِ" [2] . وأشار ابنُ رشدٍ إلى ذلك أيضًا [3] .
وهكذا ذكَر علمُ الأصوات المعاصر أنَّ"حدوثَ الكلام في طَورِ الزَّفير يقتضي ضرورةَ التحكُّم في عمليَّة الزَّفير، وذلك بأن تنشَطَ عضلاتُ البَطْنِ لِتُنظِّمَ عمليَّةَ التصَرُّفِ في الهواء، بحيثُ تَحتفظُ بقدْرٍ من الضَّغْطِ تحتَ الحنجرةِ يَكفي لإتمام عمليَّة التصويت" [4] .
خُلِقتْ القصبة الهوائيَّة على هيئة المزمار، ويَجري على جميعِها من باطنٍ غشاءٌ صلْبٌ أملس للتصويت، كما ذكَر ابن ملْكا البغداديّ [5] .
وذكر عليُّ بن العباس المجوسيّ أن منفعةَ تركيبِ القصَبة من غضاريف تَكْمُنُ في أن الغضروفَ"دون العظمِ في الصلابة، ودون سائر أعضاء البدن في اللّين، وذلك أنَّه أوفق فيما يُحتاج إليه من الصَّوت [6] ."
وتابعه ابن سينا على ذلك، وذكَر أن"تأليفها من غضاريف كثيرة مربوطةٍ بأغشية، ليُمْكِنها الامتدادُ والاجتماع عند الاستنشاق والنَّفَس" [7] .
وقال عليّ بن العباس المجوسيّ أنه"لو كانت القصبةُ من غضروف واحدٍ لم يُمكِن فيها الحركةُ؛ إذ كانت الحركة تحتاجُ إلى أن يتمدَّد معها العضو، ولذلك جعِل مع الغضروف أغشيةٌ، لتتحرَّك القصَبةُ بالحركات التي ذكرناها" [8] .
(1) دراسة السمع والكلام لسعد مصلوح ص 101.
(2) الموسيقى الكبير ص 1066.
(3) تلخيص كتاب النفس ص 82.
(4) دراسة السمع والكلام لسعد مصلوح ص 103.
(5) المعتبر في الحكمة ص 13.
(6) كامل الصناعة الطبية 1/ 122.
(7) القانون في الطب 2/ 1121.
(8) كامل الصناعة الطبية 1/ 122.