فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 832

6 ـ أشار إلى نظريَّات صوتيَّة مُعاصِرةٍ، فمن ذلك: (نظرية الهَدَف أو التوقُّع النُّطقيّ) ، وتَقْضي هذه النَّظَريَّة بأنَّ"الجِهازَ العصبيَّ لا يُحرِّكُ أعضاءَ النُّطقِ لإنتاجِ صوتٍ مَّا، ثمَّ إنتاج ما يَليه، وما يَلِيه، باعتِبار كلٍّ منهما عمليةً مستقلَّةً، ولكنَّهُ يأخذُ الكلَّ النُّطقيَّ في الاعتبار، ويُحدِّدُ هدفًا مُسبقًا لحركةِ كلِّ عُضوٍ" [1] . أشار ابن جنيّ إلى هذه النظريَّة في قَلْبِ النون ميمًا عند الباء، وفي ضمِّ همز الوصلِ إتباعًا، قال:"وذلك أنَّه لا يُنكَرُ أن يُؤثِّرَ الشيء فيما قَبلَه من قبلِ وجودِهِ؛ لأنَّه قد عُلِم أن سَيَرِدُ فيما بَعدُ، وذلك كثيرٌ ... ومِمَّا غُيِّرَ متقدِّمًا لتَوَقُّعِ ما يَرِدُ مِن بعدِهِ متأخِّرًا ضمُّهم همزةَ الوَصْلِ لتوقُّعهِم الضمَّةَ بعدَها؛ نحو: اُقْتُل ..." [2] .

7 ـ قدَّمَ ابنُ جنيّ عددًا من الأمثلة تستعينُ فيها العربُ بنغمةِ الصَّوتِ لتفهيم معنى الكلام [3] .

8 ـ على الرُّغم من اعترافِهِ بفضل أبي عليّ عليه إلا أن هذا لم يَمْنَعْهُ من مناقَشَةِ بعضِ آرائه الصَّوتيَّة، فمن ذلك مناقشتُه في أنَّ الحركة تحدُثُ مع الحرف وإبطالُه ذلك بكونِها تَحْدُثُ بعْدَ الحرفِ [4] .

هذه هي الحلقة الثانية والأخيرة من اكتمال العلم الصَّوتيّ عند أصحاب المدرسة النقليَّة، وذلك على يد علماء المغربِ والأندلس، فقد أسلمَتْ آراءُ وجهودُ ومصطلحاتُ علماءِ اللُّغة والنَّحو والبلاغةِ والقراءات في المشرق إليهم فبشَّرتْ وآذنتْ بولادة علمٍ صوتيٍّ خالصٍ هو علمُ التجويدِ الذي ظهَرَت أوَّلُ ملامحه في المشرق في منظومة الإمام أبي مزاحم الخاقانيّ (325 هـ) ، وكتاب التنبيه على اللَّحن الجليّ والخفيّ للإمام السعيديّ (410 هـ) غير أنَّهما لا يَبْلُغان مصنَّفات أهل المغربِ والأندلسِ"الذين قاموا باستخلاصِ المادَّة الصوتيَّة من مؤلَّفات النحويِّين واللُّغويِّين وعلماء القراءة، وصاغوا منها هذا العلمَ الجديدَ الذي اختاروا له اسم: (علم التجويد) ، وواصَلوا أبحاثَهم الصوتيَّة مستنِدين إلى تلك المادَّة، وأضافوا إليها خلاصةَ جُهدِهم حتى بَلَغَ علمُ التجويد منزلةً عالية من التقدُّمِ في دراسة الأصوات اللُّغوية" [5] .

والذي يتميَّز به علماءُ التجويد عن سابقِيهم هو تنبيهُهُم على العيوبِ النُّطقيَّة التي تَجري بها عاداتُ الناس اللُّغويَّة عند قراءتِهم لكتاب الله تعالى، وكذا تنبيهُهُم على الاحترازات النُّطقية التي يَجبُ استعمالُها حتى لا يَقَع الإنسانُ في تلك العيوب، ومن هنا كانت حياةُ علم التجويد إلى عصرنا هذا، فكلُّ عالمٍ كان يَرصُدُ الأخطاءَ الأدائيَّة التي تَجري في عصرِه مِن قِبَلِ متعلِّمي القراءة، ويَصِفُ الدَّواء الشَّافِيَ لها.

(1) الكلام إنتاجه وتحليله لعبد الرحمن أيوب ص 195.

(2) الخصائص 2/ 324 - 325.

(3) انظر: الخصائص 2/ 370، والمحتسب 1/ 55، و 146، و 258، و 2/ 208.

(4) سر صناعة الإعراب 1/ 32 والخصائص 2/ 324.

(5) الدراسات الصوتيَّة عند علماء التجويد ص 20. وهو مرجعٌ هامٌّ في تاريخ التجويد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت