هذه التقسيماتُ السابقةُ افتراضيةٌ وهميةٌ لتسهيل عرضِ المعلومات، والأمرُ أعقدُ من هذا، فالتداخل الثقافي موجودٌ قائمٌ بين المدرستين، ومن أمثلةِ ذلك استعانةُ ابنِ جنيّ في مقدِّمته الصَّوتية بما قاله الموسيقيُّون من أصحاب المدرسة العقليَّة ومصطلحاتِهم كالعَرَض، وتبنِّي ابنِ سينا لترتيب الخليل الصوتيِّ وبعض مصطلحات سيبويه كالإطباق. وسيكشف البحث إن شاء الله هذه النقطة من خلال المصطلحات.
المدرسةُ النقليَّة:
بدأت إرهاصاتُ العلمِ الصَّوتيِّ لهذه المدرسة منذ عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تلقينهِ الدَّقائقَ الصوتيَّة لصحابته - رضي الله عنهم -، ونقلِهم ذلك إلى من بعدَهم، فعَن جبَلة بن سُحَيم (ت 125 هـ) قال:"قرأتُ على عبد الله بن عمر - رضي الله عنه: {لِلْفُقَرَاء والْمَسَكِينَ} قال: فأخَذَها عليَّ بالمدِّ، ثمَّ قال: قرأتُها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قرأتَها، فأخذَها عليَّ كما أخذْتُها عليك، وفَغَر فاه" [1] .
غدا نَقلُ القرآن صوتيًا سُنَّةً يأخذُها الآخِرُ عن الأوَّل جيلًا بعد جيلٍ، وقام لحراسةِ هذا النقلِ علومٌ كثيرة، منها علومُ النَّحو والصَّرفِ والبلاغة والتجويد والقراءات، وفي ظلِّ هذه العلوم نشأ العلمُ الصوتيُّ عند أصحاب هذه المدرسة.
وقد اقتضت حركةُ تاريخِ هذا العلمِ أن يَظهَرَ في المشرقِ أوَّلًا كحلقةٍ أولى ضِمن مباحثِ العلومِ التي تقدَّمت، ثم اكتَمَلَت الحلقةُ الثانية في المغربِ والأندلس، وذلك بظهور علم التجويد القرآنيّ كعلمٍ مستقلٍّ، جُلُّ مباحثِهِ تتعلَّقُ بأصوات الحروف في أحوالها المتعدِّدة.
تنازَع العلمَ الصوتيَّ في المشرقِ مذاهبُ متعدِّدةٌ أشهرُها مذهبَا البصرة والكوفة. وسيكون كلامي فيهما مركَّزًا فيما يخدُم الجانبَ الصوتيَّ منهما، فقد لاحظْتُ من خلالِ دراستي للمصطلحات الصَّوتيَّة في الكتبِ المُنتَقَاةِ أنَّهُ مِن التحكُّمِ التحديدُ لبدايةِ حرَكَةٍ فِكْرِيَّةٍ أو نهايةِ أُخرى، وأنَّ التحقيقَ لمعنى الانتسابِ لمذهبِ أهلِ البصْرةِ أوالكوفةِ إنَّما هو بالنَّظَرِ إلى اتِّجاه العالِم في كتبِه، فإذا كانَ العالِمُ قد تَعَلَّمَ من مَذْهَبٍ مَّا وأخَذَ بمصطلحاتِه، وتَكَلَّمَ بآرائه حتى ولو خالَفَهُ في مسائلَ تابَعَ فيها المذهبَ الآخَرَ، كابن السرَّاجِ في أصوله حيث استَعمَل مصطلحات الكوفيِّين مع اصطباغ الكتاب بمذهَبِ أهل البصرة وآرائهم، أو كانت له استقلاليَّتُه كالأخفش في كتبه، والمبرِّدِ في مقتَضَبِهِ، فهذا لا يُخْرِجُهُ عن بصرِيَّتِه أو كوفيته.
(1) الهمَذانيّ: التمهيد في معرفة التجويد ص 161.