ذلك: قانون كثرة الاستعمال، وقاعدة: تدرُّج الحكم. وكثيرٌ من هذه القواعد مبثوثٌ تحت مصطلحات هذا البحث.
وهذه القواعدُ والقوانينُ التي استُخلِصَتْ من عددٍ كبيرٍ من الكتبِ يُمكِنُ الاستفادة منها نحو بناء نظريَّة صوتيَّة للعلم العربيّ الصوتيّ.
هي أربعةٌ: الحاجةُ والاضطرارُ، والتيسيرُ، وزيادةُ المعرفة والظروفُ المتغيِّرة، وكثرةُ الاستعمال:
1 ـ الحاجة والاضطرار:
وضعُ المصطلحات الجديدة بالاختراع أو بالنقل تَفرضُه الحاجة إلى ذلك، قال الغزاليّ:"أما المنقولُ فيُستعمَل في العلوم كلِّها لمسيس الحاجة إليها؛ إذ واضعُ اللُّغة لمّا لم يتحقَّق عنده جميع المعاني، لم يُفرِدها بالأسامي، فاضطرَّ غيرُه إلى النقل، فـ: (الجَوهَر) وضعَه واضعُ اللُّغة لـ (حجَرٍ) يَعرفُه الصَّيرفيّ، والمتكلِّم [صاحب علم الكلام] نقَله إلى معنىً حصَّله في نفسِه، وهو أحدُ أقسام الموجودات. وهذا ممّا يكثُر استعمالُه في العلوم والصِّناعات" [1] .
ويُعلِّلُ قدامةُ بن جعفر الحاجةَ إلى اختراع المصطلحات بقوله:"ومع ما قدَّمتُه فإنّي لمّا كنتُ آخذًا في استنباط معنىً لم يسبِق إليه من يضعُ لمعانيه وفنونه المستنبطة أسماءً تدلُّ عليها احتجتُ أن أضع لما يَظهَر من ذلك أسماءً أخترعُها ـ وقد فعلتُ ذلك ـ والأسماءُ لا منازعةَ فيها، إذ كانت علامات، فإن قُنِع بما وضعتُه، وإلا فليَخترِع لها كلُّ من أبَى ما وضعتُه منها ما أحبَّ، فليس ينازَع في ذلك" [2] .
2 ـ التيسير:
قال الفارابيُّ عن واضعي المصطلحات، ويسمِّيهم المدبِّرون:"فهؤلاء هم الذين يتأمَّلون ألفاظَ هذه الأمَّة، ويُصلِحون المختلَّ منها، وينظُرون إلى ما كان النطقُ به عسيرًا في أوَّل ما وُضِع فيسهِّلونه، وإلى ما كان بشِع المسموع فيَجعلونه لذيذَ المسموع، وإلى ما عرَض فيه عُسْر النطق عند التركيبات الذي لم يكن الأوَّلون يشعُرون به، ولا عرَض في زمانهم فيَعرِفونه أو يشعُرون فيه بشاعةَ المسموع؛ فيَحتالون في الأمرَين جميعًا، حتى يُسهِّلوا ذلك، ويَجعلوا هذا لذيذًا في السَّمع. ويَنظُرون إلى أصناف التركيبات الممكِنة في ألفاظهم والترتيبات فيها، ويتأمَّلون أيُّها أكملُ دلالةً على تركيب المعاني في النفْس وترتيبِها فيتحرَّون تلك، وينبِّهون عليها، ويترُكون الباقيةَ فلا يَستعمِلونها إلا عند ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، فتصيرُ عندها ألفاظُ تلك الأمَّة أفصحَ مما"
(1) معيار العلم في المنطق ص 57.
(2) نقد الشعر ص 6 - 7.