وهذا مِن حُسْنِ سياسةٍ مِنْهُ رحمه الله تعالى ... ونظيرُ هذا من قولِه: تقسيمُهُ المدَّ مقدار ألفٍ، ومقدارَ ألفَين للتقريبِ على المُتعلِّمين، كَمَا وضَعَ مَن كانَ قَبْلَه ..." [1] ."
المعنى الخامس: التقريب = مقارَبةُ الشيء من الشيء:
قال الدانيُّ:"وأطولُهم مدًّا في الضَّرْبَين جميعًا ورشٌ وحمزةُ، ودونهما عاصمٌ، ودُونه ابنُ عامر والكسائيُّ، ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق، وقالونُ من طريق أبي نشيطٍ بخلافٍ عنه، وهذا كلُّه على التقريبِ مِن غير إفراطٍ، وإنَّما هو على مقدارِ مذاهبِهم في التحقيقِ والحَدْر، وبالله التوفيق" [2] .
معناه أنَّ مذاهبَ القرَّاء في زيادةِ المدِّ أو نَقصِه قريبةٌ بعضُها من بعضٍ من غير إسرافٍ، ويؤكِّدُ ذلك قولُه في موضعٍ آخَر بعد نقلِه هذه المذاهب:"وليس لواحدٍ منهم مذهبٌ يُسْرِفُ فيه على غيرِه إسرافًا يَخْرُجُ عن المُتَعارَفِ في اللُّغة، والمُتَعالَمِ في القراءةِ؛ بل كلُّ ذلك قريبٌ بعضُه من بعضٍ، والمُشافهةُ تُوضِّح حقيقتَه، والحكايةُ تُبيِّنُ كيفيَّتَه" [3] .
المصطلح السَّابع والثامن للقوَّةِ الضَّاغِطة: (القَرْعُ والقَلْع) :
تقدَّما عند الحديث عن أعضاء النُّطق.
يُعدُّ صوتُ الألفِ هو الوضعُ الأصليُّ لكلِّ الحروف من حيثُ إنَّه لا يتعرَّضُ لأيِّ مقاومةٍ من أعضاء النُّطق، إذا أغفَلْنا بالطَّبْع مقاومةَ الوترين الصَّوتيَّين.
أمَّا باقي الحروفِ فإنَّها تتَعرَّضُ لقوَّةٍ مؤثِّرَةٍ من أعضاء النُّطق تَقْطَعُ هذا الصَّوتَ في المخارج أو تُعيقُه عن حركتِه، فيُحَاوِلُ استِعادَةَ وضعِه الأصليِّ، وهي المقاوَمةُ التي تَحدُثُ منه، ويتولَّد عنها الأصداءُ المختلفةُ للحروف.
ومن هنا استَعمَل العلماءُ ألفاظًا عدَّة للتعبير عن القوَّة التي يؤثِّرُ بها أحدُ عُضْوَي النُّطق على الآخَر، وهذه الألفاظ منها ما استَعملَه العلماء في مخارجِ النُّطق عامَّةً، ومنها ما هو خاصٌّ بالمخارجِ اللِّسانيَّة، ومنها ما هو خاصٌّ بالمخارجِ الشفويَّة.
استُعمِلت عدَّةُ ألفاظٍ في التعبير عن ضغطِ أحدِ عُضوَيِ النُّطْقِ على الآخَر أو انقلاعهما عن بعضِهما لإحداث صوت الحرف، منها:
(1) رسالة تمكين المد ص 45 - 46.
(2) التيسير ص 30 - 31.
(3) جامع البيان 2/ 443.