ظاهرةُ الرَّنين [1] :
مِمَّا يُلْحَق بظاهرة انعكاسِ الصَّوتِ ظاهرة الرَّنين، وأتناولُها بشيءٍ من الاختصار فيما يلي:
كلُّ مصادرِ الصَّوت أجسامٌ متحرِّكة، لكنَّ بعض مصادرِ الصَّوت مثل الشوكةِ الرَّنانة والأوتار المشدُودَة لها ميلٌ طبيعيٌّ إلى التذبذب والاهتزاز، سمَّى الفارابيُّ ذلك الميلَ الطبيعيَّ: (الاستِعْدَاد) ، قال:"قد يتَّفِقُ أن تكون الآلةُ التي فيها الأوتارُ لها في نفسِها استعدادٌ لأن تُسمَع منها نغَمٌ عندما تُهَزُّ أوتارُها" [2] .
والرَّنينُ هو تذبذبُ جسمٍ ما عن طريق تذبذُب جسمٍ آخَر لتوافقِهما في التردُّد، فللأجسامِ القابلةِ للاهتزاز ذبذباتٌ طبيعية، فإذا تعرَّض هذا الجسمُ لتردُّدٍ خارجيٍّ مُماثلٍ لأحدِ هذه التردُّدات الطبيعيَّة تحقَّق شرطُ الرَّنين، وامتَصَّ الجسمُ طاقةً فتزدادُ سَعةُ اهتزازاته وتتضاعَفُ.
إنَّك إذا نَقَرْتَ كأسًا بأصبعك اهتزَّتْ وأصدَرَتْ صوتًا بتردُّدٍ خاصٍّ هو تردُّدُها الطبيعيّ، ولو أنَّ مُغَنِّيًا استطاعَ أن يُغنِّيَ لحنًا بتردُّدٍ مماثلٍ للتردُّدِ الطبيعيّ للكأسِ لاهتزَّت الكأسُ في مكانِها، وقد تتهشَّم!.
ومن الأمثلة الشهيرة المأساويَّة أنَّ جنودًا ساروا بخطَواتٍ عسكريَّةٍ منتَظَمَةٍ على جِسْرٍ من الجُسُور، فتَطَابَقَ تردُّدُ خُطُوَاتِهم مع التردُّدِ الطبيعيِّ للجِسر، فاهتزَّ الجسرُ بهم وتحطَّم!.
ولظاهرة الرَّنين دورٌ هامٌّ في الآلات الموسيقيَّة كالعود وغيره؛ إذ إنَّ اهتزازَ الأوتار المشدُودة في حدِّ ذاتِه لا يُنتِج صوتًا قويًا، ولكنَّ الأصواتَ الموسيقيَّة والنغمات التي تُسمَعُ من آلةِ العُود هي في الواقع تَجَاوُبُ تجْويفاتِ العُود مع اهتزاز أوتاره، فعند اهتزاز الوتَر بتردُّدٍ يتناسَبُ مع أحدِ التردُّدات الطبيعيَّة لهذه التجويفاتِ يَحدُثُ الرَّنين، وتَصدُرُ نغمةٌ قويَّةٌ مميَّزة تعتمِدُ على شكلِ التجويفِ الداخليّ للعُود.
والواقعُ أنَّ التجاويف، ومنها تجويفاتُ أعضاء النُّطق، تُمثِّلُ أفضلَ مضخِّمٍ للأصوات، فالأصواتُ التي نُحدِثُها بواسطةِ الحَنجرة تُحدِثُ رنينًا في الهواءِ الذي يَملأُ التجويفات المَوجُودة في الحَلْق والفم والخَيشوم، ويَعتَمِدُ التردُّد الطبيعيُّ لهذا الهواء على شكل وحجمِ هذه التجويفات، فبواسطة حركة الحَنجرة واللِّسان والشفتَين والحنك اللَّيِّن يستطيعُ الإنسانُ أن يُغَيِّرَ من شكل وحجم أكثر تجويفات أعضاء النُّطق، ويُغَيِّرَ بالتالي تأثير رنينِها على التردُّدِ الأساسيّ الذي يُنْتِجهُ الوتران الصوتيَّان في الحَنجَرة.
ونظرًا إلى أنَّه لا يوجَدُ شخصان يتماثلانِ في حجمِ وشكلِ هذه التجويفات، فإنَّ أصواتَ البشر تختلِف في نوعيَّتِها، ولذا فإنَّنا نستطيع أن نُمَيِّز صوتَ صديقٍ من بين مئات الأصوات الأخرى. وهذه الحقيقة تُوضِّحُ أيضًا سبب تَغَيُّرِ أصواتِنا عندما نُصابُ بالزُّكام.
(1) استعنتُ في الكتابة عن هذه الظاهرة بكتابَي الفيزياء للأدباء لخضر الشيبانيّ ص 221 - 222، وعلم الأصوات العام لبسام بركة ص 45.
(2) الموسيقى الكبير ص 584.