فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 832

الألفاظ مواضعةً واصطلاحًا يختلف الناس في المعرفة بهما بحسب اختلافهم في معرفة اللُّغة، وفهم الاصطلاح والمواضعة" [1] ."

وبعضُ العبارات و المصطلحات مهما بلغَت من الدِّقة، لا تستطيع أن تُعبِّر عن صفة النطق، ما لم يكن هناك كيفيةٌ أدائية تساعِد على التصوُّر، كقول الدانيِّ عن تعبيرهم عن الهمزة المسهَّلة بـ:"الإشارة إلى الهمزة بالصَّدر: وهذا لا يَضبطه الكتاب" [2] ، وكالأصل الذي وضَعه ابن الطحَّان الموسيقيّ بقوله:"قد يتعذَّرُ وصفُ الشيء بالأخبارِ فضلًا عن السَّماع" [3] .

خامسًا: المواضَعةُ الصَّوتيَّة والتغيُّر

لاحَظَ المتقدِّمون أنَّ أساليبَ الكلامِ تتغَيَّرُ في كلِّ زَمَان، بحسب ما يَطرأ عليه من مستجِدَّات، وفي ذلك يقولُ ابنُ رشيقٍ القيروانيُّ:"قد يُخالَف القديمُ إلى ما هو أَلْيَقُ بالوقت وأشْكَلُ بأهله" [4] .

وذكَرُوا أنَّ الاصطلاحَ والمواضَعةَ قابلان للنَّقض، وهذا يَنفِي قُدْسيَّةَ أيِّ مصطلحٍ قديمٍ أو حديثٍ، لكنَّهم جعَلُوا إبطالَهُ ونقضَه مشروطًا بالقَبُول بذلك النقضِ من الجماعةِ المتحدِّثةِ بهِ، فلو اتفقتْ الجماعةُ اللُّغويَّة الصَّوتيَّةُ على عدم جدوى مصطلحِ: (الإدغام) ، وأحلَّتْ محلَّهُ مصطلح: (الإدخال) لصحَّ لهم ذلك، قال القاضي عبد الجبار:"فإذا صَحَّ ما قدَّمْناهُ لم يَمْتَنِعْ أن يُواضِعَ زيدٌ عَمْرًا ويواطئَهُ على أنَّ الاسمَ المخصوصَ لا يَستعمِلانِه إلاَّ ويَقْصِدانِ به مُسَمًّى مخصوصًا، فيَصيرُ بمواضعتِهِما اسمًا له، ويرادُ بذلك أنَّه مع بقاءِ المواضَعةِ والمُوَاطَأَةِ متى أَطلَق أحدُهما ذلك، فالمعلومُ أو المَظْنُونُ من حالِه أنَّه يريد به الأمرَ الأوَّل؛ إذ كانت المواضعةُ مُطْلَقَةً في الأوقات من غير تخصيص، ولذلك يصحُّ منهما نقضُ هذه المواضَعة وتبديلُها بأخرى، وذلك يبيِّنُ أن ما تواضَعوا عليه يثبُتُ مع بقاء حُكم المواضَعة، وأن نقضَ ذلك وإبطالَه يَصِحُّ" [5] .

وإذا افترَضْنا أنَّ زيدًا من النَّاس أرادَ أن يَستبدِلَ بمصطلح: (الإظهار) مصطلحَ: (الوُضوح) ، فإنَّ هذه المواضَعةَ الفرديّةَ تُصبِحُ من اللُّغةِ والعِلْمِ إذا رضِيَتها الجماعةُ، وحصَلَتِ المصادَقةُ عليها منهم، وذلك بتداولِه بينهم على خطِّ الزَّمن، قال القاضي عبد الجبّار:"ومتى صَحَّ أن يُواضِعَ زيدٌ عمرًا على جَعْلِ الكلمةِ المَخْصُوصَةِ اسمًا لمُسَمًّى مخصوصٍ لم يمتنِع أن يَعرِفَ ذلك من حالِهما غيرُهما، فيتبعَهُما في المواضَعةِ ويصيرَ لغةً للجماعَة" [6] .

(1) سر الفصاحة ص 226.

(2) جامع البيان 2/ 599. والكتاب هنا بمعنى الكتابة، وهو استعمالٌ قديم.

(3) حاوي الفنون وسلوة المحزون ص 89.

(4) العمدة 1/ 301.

(5) المغني 5/ 160 - 161.

(6) المغني 5/ 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت