ومن الأمثلة الشَّهيرةِ على المواضعةِ الفرديَّة التي أصبحتْ لغةً صوتيَّةً جماعيَّةً مصطلحاتُ سيبويه في الكتاب التي شكَّلتْ مُعظَمَ علمِ التجويد القرآنيِّ في القرن الخامس الهجريِّ وما يليه إلى يومنا هذا.
وقد نبَّه المتقدِّمون إلى أنَّ بقاءَ أيِّ لفظٍ، قديمٍ كان أو جديدٍ مرهونٌ بالممارسةِ الفعليَّة لهذا اللَّفظ، وإلا سيَفْقِدُ هذا اللَّفظُ دلالتَه ويموتُ، أويُصبِحُ من الألفاظ العَصِيَّة الفَهْم، فيدخلُه التحريف الدَّلاليّ، ويؤول ذلك أيضًا إلى أن يكون نَسْيًا مَنسيًّا.
وهذه المُمارسةُ الفعليَّة للألفاظ والمصطلحاتِ أطْلَقَ عليها المتقدِّمون لفظ: (القَصْد) ، قال ابن حزم:"وأما الصوتُ الذي يدلُّ بالقصْد، فهو الكلامُ الذي يتخاطَبُ الناسُ به فيما بينهم، ويتراسَلون بالخطوط المعبِّرة عنه في كتبهم لإيصال ما استقرَّ في نفوسهم من عند بعضِهم إلى بعض" [1] ، فالقَصْدُ من المتكلِّم شرطٌ لقَبُولِ المواضَعَةِ واستِمرارِها، ويوضِّح الخفاجيُّ مفهوم المواضعة بالقَصْد أنه بمثابة تشغيل الآلات، قال عن الكلام:"وهو بعد وقوع التواضُعِ يَحتاج إلى قصْد المتكلِّم له واستعمالِه فيما قرَّرَته المواضَعة، ولا يَلزم على هذا أن تكون المواضَعةُ لا تأثير لها؛ لأن فائدةَ المواضَعة تمييزُ الصِّيغة التي متى أردنا مثلًا أن نأمُر قصَدْناها، وفائدةُ القَصد أن تتعلَّق تلك العبارةُ بالمأمور، وتؤثرَ في كَونه أمرًا به، فالمواضَعةُ تجري مجرى شَحْذ السكّين وتقويمِ الآلات، والقَصدُ يجري مجرى استعمال الآلات بحسب ذلك الإعداد" [2] .
وهذه الدِّراسةُ قدَّمت عددًا من الألفاظِ والمصطلحاتِ التي فُقِدَ فيها شَرْطُ القَصْدِ والمُمارسةِ الفعليَّة، فما كان منها إلاَّ أن ذابتْ واضمَحَلَّتْ دلالاتُها.
فبقاءُ المصطلحِ إذن مرهونٌ بالممارسةِ الفعليَّة له، وهذا هو شرطُ استمراريَّةِ التواصُلِ بين أفراد الجماعةِ، قال ابن حزم الأندلسيُّ:"والوجه الثالث: إيقاعُ كلماتٍ مؤلَّفاتٍ من حروف مقطَّعات مَكَّن الحكيمُ القادرُ لها المخارجَ من الصَّدر، والحلقِ، وأنابيبِ الرئة، والحنك، واللِّسان، والشفتَين، والأسنان، وهيّأ لها الهواءَ المندفِعَ بقَرع اللِّسان إلى صِماخ الآذان، فيُوصِل بذلك نفسُ المتكلِّم مثلَ ما قد استبانَتْه واستقرَّ منها إلى نفس المخاطَب، وينقلُها إليه بصوتٍ مفهومٍ بقَبول الطَّبع منها للغةٍ اتَّفقا عليها، فيَستبينُ من ذلك ما قد استبانَته نفْسُ المتكلِّم، ويَستقِرُّ في نفس المخاطَب مثلَ ما قد استقرَّ في نفس المتكلِّم" [3] .
وهذا هو مبدأ التواصل اللُّغويّ الذي تَحتَفِلُ به كتبُ علم اللُّغة المعاصر في أوَّل مباحثِها، إذ عيَّن ابنُ حزمٍ المرسِل (أو المتكلِّم) ، وقناة الاتصال، والمُرسَل إليه (أو المخاطَب) .
وأختِمُ هذا الحديث عن وضعِ المصطلح بأمرٍ هامٍّ ذكرَه المتقدِّمون عن ثمرةِ المُمارسَةِ الفعليَّة للمصطلحات والألفاظِ بأنَّها سياجٌ حصينٌ يَحميها من أيِّ عبثٍ في دلالاتها، فالتعاقدُ الضِّمنيُّ بين أفرد اللُّغة على
(1) التقريب لحدِّ المنطق ص 12.
(2) سر الفصاحة ص 33.
(3) التقريب لحدِّ المنطق ص 4.