فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 832

الفصل الثاني: الأسس الفيزيائية والنطقية للصوت والحرف

العِلْمِ الطبيعيِّ (الفيزيائيِّ) عند المتقدِّمين

ذكرتُ فيما تقدَّم أعضاءَ النُّطق وما يتعلَّقُ بها من نواحٍ عضويةٍ وتشريحيَّة، واستعمالاتٍ صَّوتيةٍ، وأتعرَّضُ في هذا الفصل إلى الأسُسِ الصَّوتيَّة التي ينبغي على دارس أصوات الحروف معرفتها ممَّا يتعلَّق بالنَّواحي الفيزيائيَّة للصوت من كيفيَّة حدوثه وإدراكه، وتردُّده ورنينه، وشدَّته ودرجته. والتي تُدرسُ اليوم تحتَ: علم الأصوات السَّمعيِّ.

وهذا المبحث من أشقِّ فصول الدِّراسة، ويعلم الله كم عانيتُ من أبحاثِه؛ إذ جلُّهُ متعلِّقٌ بفيزيائيَّةِ الصَّوْت، وهو أمرٌ ما كنتُ لأبحثه لولا أنَّ بعضَ علماءِ المسلمين قد تناوَلَهُ في الأصوات اللُّغويَّة، وقدَّم مصطلحات جديرةٍ بالبحث.

والأمرُ الثاني الذي حثَّني على ذلك إظهارُ نوعِ المعرفةِ الصوتيَّة التي كانت في تلك العُصور، ممَّا هو مشابهٌ في كثيرٍ من جوانبِه للقضايا المتعلِّقة بعلم الأصوات السمعيِّ التي يُدَرِّسُها علمُ الأصواتِ المُعاصِر في أوَّل مباحثه.

وقد اهتمَّ بهذه القضايا الفزيائيَّة أصحابُ المدرسةِ العقليَّةِ، وعلى الأخصِّ الموسيقيون والأطباء، كالفارابيِّ وابن سينا وابن الطحَّان، ممَّا ولَّدَ صعوبةً أخرى في فهمِ كلامهم ومصطلحاتِهم، فاقتضى ذلك كلُّه أن أطَّلِع على مباحث علمِ الفيزياء المتعلِّقة بالصَّوت مع الاستعانة بالمتخصِّصين في ذلك. واجتهدتُ في ذلك ما أمكن، فإن وُجِد تعقيد في العبارة فراجعٌ إلى التقصير وعدم الاختصاص، والله وليُّ التوفيق.

ذكَر الفيزيائيُّون المعاصِرون"أنَّ أيَّ صوتٍ (لُغَوِيٍّ كان أم غيرَ لُغَوِيّ) يَنتُجُ عن تموُّجاتٍ تَحْدُثُ في الهواء المحيط. وهذه التمَوُّجاتُ أو الاهتزازات تُولِّدُ تغيُّراتٍ في الضَّغط (تتراوَحُ بين القوَّةِ والضَّعْف) تَنْتَشِرُ انطلاقًا مِن مصدرِها وتتَلاشى شيئًا فشيئًا كلَّما ابتعدَتْ عنه، كالحَجَر الذي يُلْقَى في الماء الرَّاكِدِ، وتتولَّدُ عنه دوائرُ وتموُّجاتٌ تَنْطَلِقُ مِن موقع الحَجَر لتَتَّسِع بعيدًا عنه في الضِّفاف" [1] .

وهذا الكلام السابقُ ذكرَه المتقدِّمون، قال إخوان الصَّفاء في شرحِهم لحدوثِ الصَّوت، قالوا:"وذلك أنَّ الهواءَ لشدَّةِ لطافتِهِ، وصفاء جَوهرِه وسرعةِ حركة أجزائه، يتخلَّلُ الأجسامَ كلَّها، ويَسري فيها، ويصلُ إليها، ويُحرِّكُ بعضَها إلى بعضٍ."

(1) علم الأصوات العام لبسام بركة ص 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت