وأظهر منظارُ الحنجرة أن هناك اختلافًا في شكلِ الوترَين الصَّوتيَّين بين نُطقِ القراء للهاء عند تلاوة القرآن ـ حسب ما تلقَّوْه أداءً ـ وبين ما اعتاده النَّاسُ من نُطقها، على الرُّغم من تدفُّق الهواء فيها في كِلا النُّطقَين:
في نُطقِ القرَّاء يكادُ الوتران الصَّوتيان يَقْتَرِبان مِن وضع الجهرِ؛ بل تَهتزُّ الأوتار الصوتيَّة، ومن هنا كان وضوح الهاء السَّمعيِّ في نُطق القرَّاء [1] .
أمَّا في النُّطق الاعتياديِّ للهاء فإنَّ الأوتار الصَّوتية تكونُ مفتوحةً، ويندفِع الهواءُ بكلِّ راحةٍ، ومن هنا كانت الهاء أضعفَ الحروف وأهشَّها في النُّطق، ولذلك نبَّه القرَّاء على تقويتها.
ويُمثِّل شكل رقم (14) دور الوترين الصوتيَّين في خروج الهاء في النُّطق الاعتياديّ وعند القرَّاء.
وجَعْلُ الهمزة والهاء تحديدًا من الحنجرة هو الذي تذكره كتب الدِّراسات الصوتية المعاصرة اليوم [2] .
يدلُّ أصله اللغويُّ على شيءٍ من الآلات مستديرٍ [3] .
واختلف أصحابُ المعاجم في تحديده: فمنهم مَن جعلَه مرادفًا للحُلْقُوم، ومنهم مَن حدَّه بـ: مجرى
(1) هذا الصَّوتُ محيِّرٌ في تصنيفه إلى مجهور أو مهموس، فتدفّق النفَس يجعله في دائرة المهموسات، واهتزاز الأوتار يُقرِّبه إلى دائرة المجهورات، ولك أن تحكم عليه بالجهر أو الهمس من حيث الجهةُ التي تَنظُر إليها. وفي اللغة الانجليزية صوتٌ شبيهٌ بالهاء التي يَنطِقها القراء، وذلك حينما تقَعُ / h / بين حركتين في نحو الكلمتَين الانجليزيتين: (ahead & behined) ، قال لادي فوجد (Ladefoged) :"ولدى معظمُ المتحدِّثين الذين أخضَعْتُهم للمراقبة؛ حرف / h / في هاتين الكلمتَين يُلْفَظُ على نحوٍ تكون فيه الأوتارُ الصوتيةُ منفصلةً عن بعضها انفصالًا طفيفًا على طولِ حافَّتِها، ولكنَّها تُواصِلُ الاهتزاز، كما لو كانت تلوح في النَّسيم. مصطلح (الهاء المجهورة) يُستَخدمُ في بعض الأحيان للتعبير عن هذا الصَّوت، ولكنَّه يُحَيِّرُ إلى حدٍّ ما بالنَّظَر لعدم وجودِ أيِّ جهرٍ بالمعنى المعتاد للكلمة، ومصطلح (الهاء المهموسة) يُفضَّل استعماله" (ACOURSE IN PHONETICS ص 128 - 129) .
(2) انظر: الأصوات اللغوية لإبراهيم أنيس ص 89 - 90، وعلم اللغة لسعرن ص 178 - 179، ومناهج البحث في اللغة لتمام حسان ص 131.
(3) ابن فارس في مقاييس اللُّغة ص 261 (ح ل ق) ، و ص 281 (ح ل ق م) .