5 ـ المصطلح الخامس لظاهرة تقصير المدِّ: (الاجتزاء)
يدلُّ أصله اللُّغويُّ على الاكتِفاء بالشيءِ. يقال: اجتَزَأْتُ بالشيءِ اجتزاءً، إذا اكتفيتَ به، وأجزَأني الشيءُ إجزاءً، إذا كَفَاني [1] .
استعمله: ابن خالويه [2] ، وأبو البركات ابن الأنباريّ [3] .
مثال: قال ابن خالويه في توجيه قوله: {المُتَعَالِ} ، من غير ياء:"وله أن يقول: إنَّ العربَ تَجتزِئُ بالكسرة من الياءِ، فلذلك سقَطَت الياءُ في السَّواد" [4] .
6 ـ المصطلح السادس لظاهرة تقصير المدِّ: (الإنبَاءُ)
يدلُّ أصلُه اللُّغويُّ على الإتيان من مكان إلى مكانٍ. يقال للذي يَنبَأُ من أرضٍ إلى أرض نابئٌ. وسيلٌ نابئٌ: أتى من بلدٍ إلى بلد. ومِن هذا القياس النَّبأ: الخبر؛ لأنَّه يأتي من مكانٍ إلى مكانٍ. والنَّبْأةُ: الصَّوتُ، وهذا هو القياس، لأنَّ الصوتَ يجيء من مكانٍ إلى مكان [5] .
استعمله ابنُ زنجلة، قال:"وقرأ ابن عامر ونافع وحمزةُ وعاصمٌ: {يَرْضَهُ} مِن غير إشباعٍ، اكتَفَوا بالضَّمَّةِ؛ لأنَّها تُنبئُ عن الواو" [6] .
هذه الظاهرة من أوسع ظواهر الخفَّة، وتندرج تحتَها عدَّة ظواهر، وتُعنى بميل الحركات إلى الحركات وحروف المدّ إلى حروف المدّ، كالألف تُقرَّبُ من الياء بالإمالة، وتقرَّب الواو من الياء بما يُعرَف بإشمام الحركات، وكان المتقدِّمون من النحويِّين والقرَّاء قد تناولوا هذه الظواهر، وجاءت منثورة في أقوالهم وكتبهم، لكن أوَّل مَن جمَعها تحت سماء واحدة من أصحاب المدرسة النَّقلية ابن جنيّ، والفارابيّ من أصحاب المدرسة العقليَّة، ولنبدأ بحديث الفارابيّ لأنَّه هو المتقدِّم زمنيًا.
كان الفارابيُّ على علمٍ واسعٍ بالموسيقى وصناعة الأنغام الإنسانية، وساعدَته هذه المعرفة في أن يضَع معيارًا عالميًا للأصوات الذائبة في اللُّغات الإنسانية، فكان لابدَّ منه أن يُبيِّن هذه الأصوات الفرعيَّة،
(1) مقاييس اللغة ص 197 (ج ز أ) .
(2) الحجة ص 165 و 191 و 218 و 224.
(3) الإنصاف 1/ 385.
(4) الحجة ص 201.
(5) مقاييس اللغة ص 973 (ن ب أ) .
(6) الحجة ص 619.