قال:"وجلُّ النَّغَم الإنسانيَّة، فإنَّما تُسمَعُ مقترِنةً ببعضِ المُصَوِّتاتِ، أو ببعضِ ما هو ممتدٌّ من غير المصوِّتات" [1] .
وكان يعني بالمصوِّتاتِ الأصواتَ الذائبةَ، أعني الحركات وحروف المدِّ، ويعني بما هو ممتدٌّ من غير المصوِّتاتِ اللاَّمَ والميمَ والنُّونَ؛ لأنَّه قال عنها: إنَّها حروفٌ تَمتدُّ بامتداد النَّغَم [2] . ويعني بقوله: (جل النَّغم الإنسانية) أنَّه يُقدِّمُ معيارًا قياسيًا للحركات، ومن هنا سبق هذا المقياس حركات دانيال جونز بحوالي ألف سنة. ولئن كانت كتب علم الأصوات المعاصِر تحتفِلُ بمعيار جونز وتقيس عليه حركات اللُّغات، فإنَّه ليكفينا فخرًا أنَّ علماءنا كانوا السبَّاقين إلى وضعِ هذا المعيار.
وقسَّم الفارابيُّ المصوِّتات إلى طويلة وقصيرة، وبيَّن أن القصيرة هي التي تُسمَّى الحركات في العربية، فتكون الطويلة هي حروف المدّ بداهةً، قال:"والمُصوِّتاتُ منها قصيرةٌ ومنها طويلةٌ، والمُصوِّتاتُ القصيرةُ هي التي تُسمِّيها العربُ الحركاتِ" [3] .
تحدَّث الفارابيُّ عن المصوِّتات الطويلة فقط؛ لأنَّها هي التي تمتدُّ مع النَّغم في صنعة الغناء والموسيقى، ونبَّه إلى أنَّ القصيرة لا تختلِف عن الطويلة إلاَّ في عدم الامتداد، فإذا متدَّت فهي هي، قال:"وأمَّا المُصوِّتات القصيرةُ فإنَّها لا تَمتدُّ مع النَّغَمِ ما دامتْ على قِصَرِها، فإذا ساوَقَت النَّغمةَ امتدَّتْ حتى لا يُفرَقَ بينها وبين الطويلَة" [4] .
قدَّم الفارابيُّ اثنتي عشرة حركة سمَّاها بالمُصوِّتات، وذكر أنَّ حاصل الأنغام الإنسانيّة مجموعٌ فيها، وسأمثِّل مقياس الفاربيِّ على مثلَّث أصنعُه من كلامِه لزيادة الإيضاح، ويمثِّله شكل رقم (69) .
بدأ الفارابيّ بتحديد الملامح العامَّة لهذا المثلَّث، فقال:"والمصوِّتات الطويلة منها أطرافٌ، ومنها ممتزجةٌ عن"
(1) الموسيقى الكبير ص 1073.
(2) الموسيقى الكبير ص 1072.
(3) الموسيقى الكبير ص 1072.
(4) الموسيقى الكبير ص 1074 - 1075.