فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 832

والإشارةُ واللَّفظ شريكان، ونِعم العونُ هي له، ونِعمَ الترجُمَان هي عنه، وما أكثرَ ما تَنُوبُ عن اللَّفظِ وما تُغْنِي عن الخطّ ... وفي الإشارة بالطَّرْف والحاجبِ وغير ذلك من الجوارحِ مَرفقٌ كبيرٌ، ومعونةٌ حاضرة، في أمورٍ يَسترُها بعضُ الناس من بعض، ويُخفونها من الجليس وغير الجليس، ولولا الإشارةُ لم يتفاهم الناسُ معنى خاصّ الخاصّ، ولجهِلوا هذا البابَ البتّة" [1] ."

4 ـ العَقْد، هو الحساب، فمنه معرفة الأيام واللَّيالي والشهور [2] .

5 ـ الحال، أو النَّصْبة: هي الحال الناطقةُ بغير اللَّفظ، والمشيرةُ بغير اليد، ومتى دلَّ الشيءُ على معنىً فقد أخبَر به، وإن كان صامتًا، فمنه قول بعضهم: سَل الأرضَ فقل: مَن شَقَّ أنهارَكِ، وغرَس أشجارَك، وجنَى ثمارَك؟ فإن لم تُجِبكَ حوارًا أجابَتكَ اعتبارًا [3] .

وبعضُ هذه الخمسة يدرسُها علم اللُّغة المعاصر تحت اسم:"عِلْمِ العَلاَمَات"، أو"السِّمْيُولُوجيا" [4] .

ثالثًا: المصطلح العلميّ والتحوُّلُ الدّلاليّ

لكي يكون هناك دلالة يجب توافرُ عنصرَين، أحدهما يدلُّ على الآخر، الأوَّل يسمَّى بـ: (الدالّ) ، والثاني يسمّى بـ: (المدلول) ، والدَّلالة تعني أن العلمَ بوجود شيءٍ يَفترِض استتباعَ العلم بوجود شيءٍ آخرَ في الذِّهن ملازمٍ له، قال الجرجانيّ:"الدلالة: هي كَون الشيء بحالةٍ يلزمُ من العلم به العلمُ بشيء آخَر. والشيءُ الأوَّل هو الدالّ، والثاني هو المدلول" [5] .

والتحوّل الدّلاليُّ هو استعمالٌ جديدٌ لألفاظ اللُّغة، كدهشة ذلك الأعرابيِّ لمَّا"وقَف على مجلس الأخفش، فسمِع كلامَ أهله في النحو، وما يَدخُل معه، فحارَ وعجِب، وأطرق ووَسوَس، فقال له الأخفش: ما تسمعُ يا أخا العرب؟ قال: أراكم تتكلَّمون بكلامنا في كلامِنا بما ليس من كلامِنا!!" [6]

هذا التحوّل الدلالي هو المولِّد للمواضَعات الجديدة، ومنها المواضَعة الصوتيّة، ويسمِّيه المتقدِّمون: مجازًا واتساعًا في المعنى.

وإذا رجعنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فإننا نجده مارس توسيع الدَّلالة في أكثر من موطِن، فمن ذلك قولُه للصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ يومًا:"أتدرون ما المُفلِس؟"، فأحالَهُ الصحابةُ ـ رضي الله عنهم ـ إلى المعنى الذي تواضَعوا عليه من الإفلاس، قالوا: المفلسُ فينا من لا دِرْهَمَ له ولا متاع، فقال ـ عليه الصَّلاةُ

(1) البيان والتبيين 1/ 57.

(2) انظر: البيان والتبيين 1/ 58 - 59.

(3) من تفسير الجاحظ لها. البيان والتبيين 1/ 59.

(4) انظر: علم اللغة لمحمود سعران ص 63، واللغة لفندريس ص 31 وما بعدها.

(5) التعريفات ص 104.

(6) الإمتاع والمؤانسة 2/ 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت