8 ـ تنبيه الفرَّاء إلى أهمية الترسُّل والتأني في قراءة القرآن، فمن ذلك قوله:"والعربُ تُدْغِمُ اللاَّمَ مِن (هل) و (بل) عند التاءِ خاصة، وهو في كلامهم عالٍ كثيرٌ، يقول: (هل تدري وهتَّدْرِي) ، فقَرَأَها القُرَّاءُ على ذلك، وإنَّما أستَحِبُّ في القراءةِ خاصةً تبيانَ ذلك؛ لأنَّهما منفصلان لَيْسا من حرفٍ واحدٍ، وإنَّما بُنِيَ القرآنُ على الترَسُّلِ والترتيلِ وإشباعِ الكلام، فتِبيَانُهُ أحبُّ إليَّ مِن إدغامه، وقد أَدْغَمَ القُرَّاءُ الكِبَارُ، وكلٌّ صَوَابٌ" [1] .
وهذا يُساعِدُ على تفسير بعض الظواهرِ الصَّوتيَّة التي تعتمِد على التأنِّي وتحقيق ذوات الحروف في الأداء القرآنيّ كمثل إظهارِ القَلْقَلَةِ في وسط الكلمة، والسَّكْتِ على الساكنِ قبل الهمزة في بعض الكلمات.
9 ـ توضيحه الفرق بين من قرأ القرآن بالتعلُّمِ وبين مَن قرأهُ بالطَّبع، أي مَن نشأ في أكناف اللُّغة، قال:"لأنَّ القراءَةَ من المُوَلَّدِين مصنوعةٌ، لم يأخُذوها بطِبَاعِ الأعرابِ، إنَّما أخَذُوها بالصَّنعةِ. فالأعرابيُّ ذلك جَائزٌ لهُ لِمَا يَجري على لسانِه من خَفيفِ الكلامِ وثَقِيله."
ولو اقْتَسْتَ في القراءةِ على ما يَخِفُّ على ألْسُنِ العربِ فيُخَفِّفُونَ أو يُدْغِمُون لخَفَّفْتَ قولَه: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} ، فقلتَ: (أيْشٍنَ اكْبَرُ شَهَادَة) ، وهوكلامُ العرب. فليسَ القراءةُ على ذلكَ، إنما القراءةُ على الإشباعِ والتمكين" [2] ."
ولهذا سُمِّي علمُ التجويد ـ في مرحلةٍ مبكِّرةٍ ـ عِلْمَ التكلُّفِ، وهذا قبل ظهور مصطلح: (التجويد) ، وانظر مصطلح: (التكلُّف) .
أبو عثمان عمرو بنُ بحرٍ الملقَّب بالجاحظ، من أعظمِ علماء البلاغة والأدب، يُعَدُّ كتابُهُ أحدَ الكتب الأربعة التي هي أصول فنِّ الأدب وأركانِه كما ذكَر ابن خلدون [3] .
أهم كتبه: البيان والتبيين.
ومن أهمّ الأعمال الصوتيَّة التي قدَّمها:
1 ـ قدَّم الجاحظُ عددًا من المصطلحات الصَّوتيَّة نقَلَها مَن جاء بعده، فهو صاحبُ التعبير المشهور: (إعطاءُ الحروفِ حقوقَها) [4] ، الذي نقَلهُ كبارُ أئمَّة التجويد والقراءات كالخاقانيِّ [5] ، وابن مجاهدٍ [6] ،
(1) معاني القرآن 1/ 441.
(2) معاني القرآن 2/ 353.
(3) المقدِّمة ص 554.
(4) البيان والتبيين 1/ 14.
(5) منظومة الخاقانيّ ص 19.
(6) نقل ذلك عنه الداني في التحديد ص 89.