الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة، وأتمُّ التسليم على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا بحثٌ تأصيليٌّ يَكشف عن لغة الصوتيِّين الأوائل، ويُظهِر ما لهم من معارفَ ومصطلحات صوتيةٍ ضِمن مرحلةٍ زمنيّة واسعة، من القرن الأول إلى القرن السَّادس الهجريّ، موظِّفًا معطياتِ العصرِ التقنيَّة في خدمته من رسوماتٍ توضيحيَّة، وتحليلاتٍ طيفية، وغير ذلك من الوسائل المعاصرة.
وما مثَلي فيه إلا كمثَل مستكشفٍ قام برحلةٍ بحريَّة شاقَّة مع ملاحين مهَرة، يَمخُرون به بحارَ الصَّوت، بدءًا من كونِه مادَّةً أساسيةً (خام) ، إلى كيفية حدوثه، ثم تشكُّلِه وتقطِيعه في مخارجِ النُّطق، ثمّ إدراكِه. ويوقِفونه على الهيئاتِ التي يكون عليها الصوتُ في تلك الأماكن، ثم إلى وصفِ أوضاعِه مع جيرانه الذين قرُبوا منه أو بعُدوا عنه، هل يأتلِفُ معهم، ويقبل جيرتَهم أم يتباعَد منهم وينفر عنهم؟ ويُرشِدونه إلى المعالمِ والقواعد والقوانين الصَّوتية التي رسَموها لإدارة دفَّة هذه الرِّحلَة الطَّويلة، ويَهدونه إلى المصطلحاتِ التي عبَّروا عنها في كل مرحلة.
فإذا استقام للمستكشف هذا كلُّه عدَّه نجاحًا لرحلته، وإذا كانت الأخرى فما مصيرُه إلا الغرَق؛ أسأل الله التوفيق والنجاة.
وتَكمُن خطورةُ المصطلحاتِ عمومًا، والعِلْمِيَّة منها على وجهِ الخصوص، في أهميتِها البالِغةِ في ربط ثقافةِ الماضي بالحاضر، وفي تلاحُم الشعوب ذات اللِّسان الواحد، وإنَّ أيَّ فهمٍ خاطئ لمصطلحٍ مَّا، ربَّما يوقِع في طامّات كانت تَحتاج إلى قليلٍ من التثبُّت والتروِّي، تمامًا كما فعل بعضُ دارسي الأصوات من المُعاصِرين مع مصطلح: (الهمس) المتوارَث في تراثنا، حيث أعطَوه المفهومَ الغربيَّ للصوت غير المجهور، والذي يُطلَق على كلِّ ما لا تهتزُّ الأوتار الصوتية معه (Unvoiced) .
هذا المفهوم، ونتيجةً لتطبيقه على مفهوم الهمس عند المتقدمين من أئمة العربية والتجويد أوصلَت بعضهم إلى تقرير أن القرآن الكريم قد أصاب بعضَ أصواته التطورُ والتغير، وأنَّ ما وصَفه المتقدِّمون بالأمس عن الحروف العربية قد تغيَّر نطقُه من خلال ما نَسمعه من أفواه القراء المُجِيدين. وهو قولٌ، لو تَمَعَّنَ أصحابُه فيه، لعلموا أنَّ فيه اجتراءً كبيرًا على الوعد الإلهيِّ المُطْلَق القاضي بحفظ الكتاب المنزَّل دون تقييدٍ لهذا الحفظ بنصٍّ مكتوبٍ أو صوتٍ منطوق. ومنشأُ هذا الوهم يَرجِعُ في أساسِه إلى تحريفٍ كبيرٍ لدلالة الهمس، وسيأتي تفصيل ذلك. ومن هنا تكمن أهمية معرفة دلالة المصطلحات وفهمها على وجهها الصحيح الذي أراده لها واضعوها.
ويَرجِعُ اختياري لهذا البحث إلى غَيرةٍ على كتُبِ التراث الصوتيِّ من فَقْدِ التواصلِ معها بسبب لغتها