التأريخُ الحقيقيُّ للعلم عند العرب يبدأ من بعثةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ونزول القرآن، وما انبثق عن ذلك من علومٍ عربيَّة أصيلةٍ عُرِفتْ فيما بعدُ بالعلوم النقليَّة أو علوم الشَّريعة. وهذا لا يعني ـ بالضَّرورة ـ أن العلوم الأخرى لم تكن موجودة، كالطبِّ والرِّياضيَّات وغيرها، لكنَّها كانت عند أفرادٍ قلائلَ من العرب.
وأهمُّ تطورين سياسيَّين أثَّرا على العلم بعد ذلك في تاريخ الإسلام هما:
تزامنُ قيام الدَّولة العبَّاسية على يد أبي العباس السفاح سنة 132 هـ، واستقرارِ أمرها عهدَ أبي جعفرٍ المنصور سنة 137 هـ، مع قيام الدَّولة الأمويَّة ثانيةً في الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل سنة 138 هـ، وإن تأخَّر أثرُها الخطيرُ في العلم إلى عهد عبد الرحمن الثاني في القرن الثالث الهجري (206 ـ 238 هـ) .
هذان التطوران أدَّيا إلى حصول نهضة علميَّة شاملة في كلِّ فنون المعرفة: النقليَّة منها والعقليَّة.
وانقسمت الثقافةُ ـ منذ العصرِ العباسيِّ ـ إلى نوعَين رئيسين هما: الثقافةُ في علومِ الشَّريعة، والثقافةُ في علومِ العجم، كما يسمِّيهما الخُوارزميُّ [1] ، أو العلوم النقليَّة والعقليَّة، كما يسمِّيهما الشهرستانيّ [2] .
والعلوم النقليَّة أو علوم الشَّريعة هي: العلوم والفنون التي استحدثها المسلمون خدمةً لكتاب ربِّهم وسنَّة نبيِّهم من تفسير، وحديث، ولغة، ونحو، وصرف، وتجويد وقراءات ... الخ [3] .
أما علوم العجم أو العلوم العقليَّة فهي: العلوم التي استفادها المسلمون نتيجة احتكاكهم بثقافات الأمم المجاورة، كالطبّ، والرياضيات، والهندسة، والفلسفة، والموسيقى ... الخ.
وشكَّلتْ العلومُ النقليَّة والعقليَّةُ رصيدًا معرفيًّا حضاريًا فريدًا عنوانُه: الحضارة الإسلاميَّة.
وقد مرَّت هذه الحضارةُ في نَقْلِها لعلومِ الغَير بمرحلتين أساسيَّتين متزامنتَين هما:
1 ـ مرحلةُ الترجمة ونقلُ معارف الأمم السابقة التي عُنيت بالعلم، وهي سبعُ أمم: الهند، والفُرْس، والكِلْدانيون (البابليون) ، والعِبْرانيون، والرُّوم، وأهل مصر، وأمة اليونان [4] ، التي كان لها التأثير الخطير في العلوم عند العرب.
(1) مفاتيح العلوم ص 13.
(2) انظر: الشهرستاني: الملل والنِّحَل على هامش الفصل لابن حزم 1/ 32 و 2/ 45 - 46.
(3) العلوم النقليَّة: علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم الكلام، والنحو، واللغة، والأدب. انظر: مفاتيح العلوم للخوارزمي ص 13 وتاريخ الإسلام لحسن إبراهيم حسن 2/ 323.
(4) للتوسع في معارف هذه الأمم يراجع كتاب: تاريخ العلم لـ: جورج سارتون (1884 - 1956 م) ، ويعدُّونه في الغرب الأب الحقيقي لتاريخ العلوم. وانظر عن مكانة العلم العربيّ في تاريخ العلوم في كتاب: (العلم العربيّ وأثره في تطور العلم العالميّ) ص 10.