2 ـ مرحلةُ التطوير، والتجريب، والإبداع [1] .
ويمكن تلخيصُ طريقةِ تعامل الحضارة الإسلامية مع الثقافات الأخرى في أربع نقاط [2] :
1 ـ التفسيرُ المباشِر، أو غيُر المباشر لآثار العصرِ القديم.
2 ـ تنميةُ النظريَّات، والأفكارِ المأخوذةِ من الآثار القديمة، أو من شروحها، بل وتصحيح ما فيها من أخطاء، كاستدراكِ ابن رشد على أرسطو [3] ، وتقييم أبي الحسن عليّ بن العباس لكتاب أبقراط: الفصول [4] . ويعدُّ عمل البتاني مثالًا مميزًا للحضارة الإسلامية في تصحيح القديم، وأنها لم تكتف بنقل العلوم بشهادة الغربيين أنفسهم [5] .
3 ـ إنشاء صنوف الشروح، كشروح ابن رشد والفارابيِّ على كتب أرسطو [6] .
4 ـ توسيع المبادئ والنظريات القديمة وبَسْطُها، مع عرضِها غالبًا في صورةٍ أكثر وضوحًا وحِذقًا، وأعظم دقةً وعمقًا، كما هي أكثر إطنابًا، كشرح الفارابيِّ لكتاب أرسطو، بعْدَ غُمُوضِ أصلِه على ابنِ سينا، وقراءتِه له أكثر من مائة مرة.
أما خطواتُ التنميةِ والإنتاج التي خَطَوْها فقد ضاعَت وتفرَّقَت في الحَشْد الكبير من الكتب التي تركوها، وهذا حافزٌ كبيرٌ لبَعث كتبِ التراث من مَرقدها، فما يزال أغلبه مخطوطًا، والمنشورُ منه لا يتعدَّى سبعة في المائة فقط [7] . كما أن المراجع التي أرَّخَت للعلم العربيِّ ودرَسَتْهُ ضئيلةٌ جدًا، وإلى الآن لا توجَدُ ـ بشهادة المؤرِّخين للعلم ـ دراسةٌ مفصَّلةٌ يتَّجِه اهتمامُها بشكلٍ خاصٍّ نحو المعارفِ الفعليَّة التي وصل إليها العلماءُ العرب، ونحو تطوُّر النظريَّات التي وجَّهوها، وإنَّما جلُّ الدِّراسات تتناولُ الجوانبَ الخارجية، دون دراسةِ المعارف ذاتها [8] .
(1) كذلك الحضارة الحديثة مرَّت بمرحلتين أساسيَّيتين: مرحلة النقل عن العرب، ومرحلة التطوير والإبداع، فهما كالدَّين والوفاء، لكن الفرق أن العربَ لم يُنكروا فضلَ الحضارات السَّابقة على علومهم، فهذا الزَّهراوي في كتابه العظيم: التصريف لمن عجز عن التأليف ل 54/ أ يعترفُ بمنزلة أبقراط وجالينوس في الطبِّ العربيِّ، بخلاف الأوربييِّن الذين أنكَروا فضلَ العرب على العلم، هذا مع سَطْوِهم على علمهم ومعارفِهم، ولولا المنصِفون منهم لما عرفنا ذلك.
(2) العلم العربيّ وأثره في تطور العلم العالميّ لألدومييلي ص 143 بتصرُّف كبير.
(3) انظر كتاب: تلخيص النفس لابن رشد ص 99.
(4) انظر كتاب: كامل الصناعة الطبية 1/ 3 و 6.
(5) انظر دور البتَّاني الرياديّ في علم الفلك في كتاب: العلم العربيّ وأثره في تطور العلم العالميّ لألدومييلي ص 168.
(6) انظر كتاب تلخيص الخطابة لابن رشد، فقد صهَر فيه معارفَ أرسطو في قالَبٍ عربيٍّ أصيل، وانظر مصطلح: (الأخذ بالوجوه) كمثالٍ من أمثلة ذلك.
(7) من كلام الدكتور يوسف زيدان خبير المخطوطات المصريّ من موقعه على الإنترنت: (http://www.ziedan.com/awham/3.asp) .
(8) ذكر ألدومييلي في كتابه: العلم العربيّ وأثره في تطور العلم العالميّ ص 563: أنَّ أهمَّ من بحث في المعارف الفعليَّة للعلم العربيّ جورج سارتون في كتابه: (المدخل إلى تاريخ العلوم) . ويوسف هيرتل في كتابه: (المؤثرات العربية والعبرية في فن التشريح) ، وهو يبحث في اصطلاحات فنِّ التشريح الموجودة في الترجمات اللاتينية من العصور الوسطى وفي اصطلاحات عصر النهضة، وعلاقتها بالألفاظ العربية والعبرية. وقد صدر حديثًا كتابٌ بعنوان: موسوعة ناريخ العلوم العربيَّة، فيه عددٌ من المقالات المترجمة لعلماء أوروبيين يتناوَلون فيه بعض المعارف العلميَّة عند العرب في علوم مختلفة. وانظر أيضًا: موقع: (http://www.islamset.com) على الإنترنت، ففيه مقالات متخصِّصة عن دور علماء المسلمين في مجالات المعرفة وخاصة الطبّ. كما أن مكتبات العالم تزخر بآلاف المخطوطات التي تطلب من ينشرها (168 فهرسًا في كتاب: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 1/ 66 - 90) .