سيبويه [1] .
هم أصحابُ هذا الفنِّ وواضعو أسسِه، وإليك أبرزَ علمائهم:
أبو عبد الرحمن الخليلُ بن أحمد الفَراهيديُّ، أعظمُ علماء العرب من الصَّوتيِّين، وتُخْبِرُنا كتبُ الترَّاجِم إجماعَ أهلِ الأمصَار على أنَّ الخليلَ هو مفتاحُ العُلومِ ومُصَرِّفُها، وأنَّه لم يَكُن للعربِ بعد الصَّحابة أذكى منه ولا أجمعَ، وأنَّهُ مُنقطعُ القرينِ، وأنَّه من شهرتِه ضَرَبَ العلماءُ والشُّعراءُ به الأمثالَ [2] .
كان ـ رحمه الله ـ مطَّلِعًا على عدَّةِ علومٍ؛ الرِّياضيَّات والطبِّ والموسيقى ناهيك عن النَّحو والصَّرف واللُّغة والعَروض، مِمَّا يدلُّ على ثقافتِه الواسِعَةِ، وقد وَرَدَتْ في مُعجَمه شذَراتٌ تدلُّ على ذلك [3] .
ألَّف الخليل معجمَ العَين بعيدًا عن البصرةِ في خراسان، عند تلميذِه اللَّيث بن المُظفَّر بن نصرِ بن سيار، راوي الكتاب، وظلَّ هذا المعجَم مَطويًّا مُخَبَّأً لم يَرَ النُّور، وتأخَّرَ ظُهُورُه في البصرة إلى سنة 243 هـ، أي بعْدَ وفاةِ الخليلِ وسيبويه بما يَقْرُبُ من ستِّين سنةٍ.
كانت الدَّوْلَةُ عند ظُهور معجَم العَين لكتابِ سيبويه الذي أرْسَى منهجًا كاملًا شاملًا للُّغةِ العربية بأصْوَاتِها ونَحْوِها وصَرْفِها.
وتُخْبِرُنا كتبُ التَّرَاجِم أنَّ البَصْرِيِّين ـ مِمَّن هُم على مَنهَجِ سيبويه ـ قد دَفَعُوهُ أشدَّ الدَّفعِ، وأنكَرُوا أن يكونَ هذا المُعْجَمُ للخَلِيل، وكان مِن حُجَجِهم أنَّ في العَين من القضايا والآراء والمصطلحات ما يُخَالِفُ ما عندهم من كتاب سيبويه [4] .
كانَ هذا الإنكارُ من علماء البصريِّين ضربةً مؤلمةً وُجِّهَتْ للعَيْنِ حَجَبَتِ الناسَ زمنًا من الاستفادة منه، غيرَ أنَّه لقيمتِه العلميَّة الكبيرة استعاد مكانتَهُ من جديدٍ فاتَّخذَه بعضُ كبارِ اللُّغويِّين أصلًا كابن دُرَيدٍ في الجمهرة، والأزهريِّ في تهذيب اللُّغة، وابن فارس في مقاييس اللُّغة.
قال ابنُ دُرَيدٍ:"ولم أجْرِ في إنشاءِ هذا الكتاب إلى الإزراءِ بعلمائِنا، ولا الطَّعْنِ في أسلافِنا، وأنَّى يكونُ"
(1) يُعَدُّ أبو بكر ابن الأنباريّ من علماء الكوفيِّين المتأخِّرين الذين استفادوا من معارفِ البصريين والكوفيين معًا، ففي كتابِه إيضاح الوقف والابتدا استعمل مصطلحات صوتيَّة انفرد بها البصريون دون الكوفيِّين، كالجهرِ والهمس. أما الشرحُ والتعليلُ للظواهرِ الصَّوتية فلا نجِدُ أنَّه متعصبٌ لأهل الكوفة على أهل البصرة ـ كما هو مشهورٌ في كتبِ التراجم ـ وتظهرُ شخصيته المستقلة في الكتاب كإمام متميز معتَبَر.
(2) انظر: مراتب النحويين ص 55 و 67 - 68.
(3) انظر: العين 3/ 409 و 4/ 468 و 5/ 306 و 6/ 3 و 48 و 115.
(4) انظر: الخصائص 3/ 288 و 197، وسر صناعة الإعراب 2/ 568.