عند الخليل، ويَدخُلُ ضِمنَهُ"الكشفُ عن العلاقاتِ الوثيقةِ أو الجسور التي تَصِلُ علمَ العَروضِ الذي اختَرَعَهُ بالدِّراسات المُنَظَّمَة التي قامَ بها في الموسيقى والغِناء، وبالأصولِ التي وضَعَها في هذا المِضمار، وكيفَ استَفَادَ مِن خبرتِهِ ومعرفتِهِ وتجاربِه العمليَّة والنظَريَّةِ لخدمة كلا العِلْمَين، أعني العروضَ والموسيقى، وإعدادِ أوَّلِ وأقدمِ الدِّراساتِ عن أصولِهِما وأحوالِهما" [1] .
7 ـ أشار الخليلُ إلى أنَّ اللُّغة العربيَّةَ تعتَمِدُ النِّظامَ المقطعِيَّ في نُطقِ أصواتِها، أي لا يُنطَقُ صوتٌ صحيحٌ مجرَّدًا عن حركةٍ أو حرف مدّ، وهذا النِّظامُ هو الذي استُعمِلَ في وصفِ الأصوات [2] .
8 ـ من منهجِ العَين أنَّ الخليلَ كانَ يَستَخْدِمُ أكثرَ مِن مُصْطَلَحٍ للشَّيءِ الوَاحِد، فهو دَائِمُ الاختراعِ والتجريبِ، ويَرجِعُ ذلك إلى معرِفَتِهِ الواسِعَةِ باللُّغَةِ، إضافةً إلى عَبْقَرِيَّتِهِ وذَكَائِهِ النَّادِرِ في وضعِ كلِّ شيءٍ في مَوضعِه، ومن أمثلة ذلك: (الإدغام) استَخْدَمَ له الخليلُ: (الانْحِشَاءَ، واللَّفِيفَ، والإدغام) ، وكذلك في الإمالة استخدَمَ مصطلحَ: (الإجناح، والإمالة) ، وفي المخارجِ استَعمل: (المَخَارِجَ، والمَوَاضِعَ، والأحيَازَ، والمَبَادِئَ، والمَدَارِجَ) .
9 ـ في العَين من الدَّقَائِقِ الصَّوتيَّةِ ما لا تَجِدُهُ في غَيْرِهِ اللهمَّ إلا عند سيبويه، كتعريفِه للهمس الذي قارَبَ فيه من مفهوم الهمس عند المُعاصِرين.
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنبَر الملقَّب بسيبويه، أعظمُ علماءِ العربية وصاحبُ السَّبق فيها، ومؤسِّس عِلْمِ البصريِّين.
بَلَغ من مكانةِ كلامِه أنَّ بعضَ العلماءِ كان يتحرَّجُ من مخالفةِ مذهبِه إلى غيرِه، فمن ذلك قولُ السُّهيليِّ:"ولولا الوَحْشَةُ مِن مخالَفَةِ الإمامِ أبي بِشْرٍ لَنَصَرْتُ قولَ الأخفَشِ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وجَلَوْتُ مذهبَهُ في مِنَصَّةِ التحقيقِ مُفَسِّرًا، ولكنَّ النفسَ إلى نُصرَةِ سيبويه أميَلُ، والله المُوَفِّق للصَّواب" [3] .
كان لكِتَابِ سيبويه ومصطلحاتِه تأثيرٌ طاغٍ على غالِبِ النَّحْوِيِّين والقرَّاء، وعلى الرُّغم من أنَّ الغرضَ من تأليف كتابه هو إحياءُ علم الخليل [4] إلا أنَّه كان يتمتَّعُ بشخصيَّةٍ مستقلَّةٍ، وقدرةٍ لغويَّةٍ فائقةٍ مكَّنَتْهُ أن يضعَ لكلِّ مسمًّى ما يُناسِبُهُ من ألفاظٍ.
ومن الملفتِ للنَّظَر أنَّ مؤسِّسي المذهَب الكوفيِّ وكُبَرَاءَهُ قد درَسُوا كتابَه، فالكسائيُّ قرأه على الأخفشِ،
(1) من مقالةَ الدكتور علي الزبيدي بعنوان"الخليل الموسيقار"مجلَّة المورد 1395 - 1975 مج 4 عدد 4 ص 23.
(2) انظر مصطلحَي: (الاعتماد) ، و (المقطع) .
(3) نتائج الفكر ص 236.
(4) طبقات النحويين واللغويين ص 75.