فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 832

وماتَ الفرَّاءُ والكتابُ تحتَ وِسَادَتِه [1] ، وثعلبُ كان مُطَّلِعًا عليه، ومُتمكِّنًا منه، وله منه نسخةٌ بخطِّ يده [2] ، فإذا كان هذا حالُ مؤسِّسِي المَذْهَبِ الكُوفِيِّ وكبرائهِ، فكيف بمَن دُونَهُم؟!

انتشرَ الكتابُ في العواصمِ العلميَّةِ انتشارًا واسعًا، ولم يَعُدْ محدودًا ببلدِهِ التي وُجِدَ فيها، وخَرَجَ مِن حُدُودِ المَذْهَبِ البَصْرِيِّ، ورضِيَ عنه العلماءُ على مرِّ العُصورِ، واتَّخَذوهُ إمامًا ودُستورًا؛ بل وكُتِبَتْ له العالميَّةُ، وأصبَحَ تراثًا إنسانيًّا استَفادت بعضُ الأممِ الأخْرى مِنهُ في إحياءِ مَا مَاتَ مِن نَحْوِهَا [3] .

قال صَاعِدُ بن أحمد القرطبيُّ (ت 462 هـ) أحدُ مؤرِّخي العلم المشهورين من أهل الأندلسِ:"ولا أَعْرِفُ كتابًا أُلِّفَ في عِلْمٍ من العُلُومِ، قديمِها وحديثِها، فاشتَمَلَ على ذلك العلمِ، وأحَاطَ بجميعِ أجزاءِ ذلك الفَنِّ غيرَ ثلاثةِ كتُبٍ: أحدُهَا: كتابُ: (المَجِسْطِي) ، هذا في علم هَيئةِ الفَلَكِ وحركاتِ النُّجُوم [4] . والثاني: كتابُ أرِسْطاطاليس في علمِ صناعةِ المَنطقِ. والثالثُ: كتابُ سيبويه البصريِّ في علمِ النَّحْوِ العربيِّ، فإنَّ هذه الكتبَ الثلاثةَ لا يَشِذُّ عن كلِّ وَاحِدٍ مِنها مِن أصولِ عِلْمِهِ، ولا مِن فُرُوعِهِ إلاَّ ما لا خَطْبَ له. ولله تعالى وحْدَهُ مزيدُ الإحاطةِ، وفضيلةُ التَّمَامِ، لا رَبَّ غيرَهُ" [5] .

ومن عجيب الأمرِ أنَّه مع ما كتَبه الله لسيبويه على خطِّ الزَّمن من هذه المكانة والتوفيق، والإجماع والقَبُول من جهابِذَةِ العلماء، فإنَّنا نَجِدُ من المعاصِرين مَن يُزْرِي به ويتطاوَلُ عليه، ويَرْمِيه تارةً بالعُجْمَة، وتارةً بالاضطرابِ في منهجِه، ولا نَعْلَمُ لذلك سببًا علميًّا وجيهًا يَدْعُو إلى ذلك [6] !!

وإذا كان شيخُه الخليل، وهو من صميم العروبة يقول عندما يَدخُلُ عليه سيبويه:"مرحبًا بزائرٍ لا يُمَلُّ" [7] ، فهل ذلك إلا لثقتِه العِلميَّة بهذا الشابِّ الذي سيَنقُلُ علمَ كلامِ العرب بكلِّ أمانةٍ ودقَّة.

قال ابن جنيّ عن فضلِ سيبويه الفارسيِّ على اللُّغة العربيَّة:"وإنَّ إنسانًا أحاطَ بقاصِي هذه اللُّغاتِ المُنتشرةِ، وتَحَجَّرَ أذْرَاءَها المُتَرامِية، على سعةِ البلادِ، وتَعادِي ألسنتِها اللِّدادِ، وكثرةِ التَّواضُعِ بين أهلِها مِن حاضرٍ وبادٍ، حتى اغتَرَقَ جميعَ كلامِ الصُّرَحاءِ والهُجَناءِ، والعبيدِ والإماءِ، في أطرارِ الأرضِ، ذاتِ الطُّولِ والعَرْض، ما بينَ مَنثورٍ إلى منظومٍ، ومَخْطُوبٍ بهِ إلى مَسْجُوع، حتى لغاتِ الرُّعاةِ الأجلافِ، والرَّواعي ذَواتِ صِرارِ الأخلافِ، وعُقَلائهم والمَدْخُولِين، وهُذاتِهم المُوَسْوِسين، في جِدِّهِمْ وهَزْلِهم، وحَرْبِهِم وسِلْمِهِم، وتَغَايُرِ"

(1) طبقات النحويين واللغويين ص 71 - 72.

(2) انظر: الأصول لابن السرَّاج 3/ 221، ومجالس العلماء للزجاجي ص 86، وطبقات النحويين واللغويين للزبيديّ ص 145.

(3) انظر مقالة للدكتور حسن ظاظا بعنوان: (أثر سيبويه في نشأة النَّحو العبريّ) أعطى فيه من الأدلَّة التاريخيَّة الموثَّقة على أثر كتاب سيبويه في إحياء النَّحو العبريّ. (مجلَّة اللِّسان العربيّ مج 12/ ج 1 ص 91 - 106) .

(4) للفلكيّ الإغريقيّ بطليموس.

(5) طبقات الأمم ص 676.

(6) الأصوات عند سيبويه لعبد الرحمن أيوب ص 25.

(7) طبقات النحويِّين واللغويِّين ص 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت