فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 832

الأحوالِ عليهمْ، فَلَمْ يُخْلِلْ مِن جميعِ ذلك ـ على سعتِهِ وانبثاثِهِ، وتَناشُرِه واختلافِه ـ إلاَّ بأحرُفٍ تافِهَةِ المقدار، مُتَهافِتَةٍ على البَحْثِ والاعتبار، ولَعَلَّها أو أكثرَها مأخوذةٌ عمَّن فسَدَتْ لُغتُهُ، فلمْ تَلْزَم عُهْدَته، لجديرٌ أن يُعْلَمَ بذلك توفيقُهُ، وأن يُخَلَّى لهُ إلى غايتِهِ طريقُه" [1] ."

والأعمالُ الصَّوتيَّةُ التي قامَ بها سيبويه، وكان لها تأثيرٌ على المصطلحِ الصَّوتيِّ لا يُمْكِنُ تلخيصُها في نقاطٍ؛ لأنَّ منهجَه في الأصوات ومصطلحاتِه، وآراءَه وتعليلاتِه الصوتيَّة المبثوثة في الكتاب تُمثِّلُ ـ في غالبِها ـ العلمَ الصَّوتيَّ عند أصحاب المدرسة النقليَّة.

فمن أمثلة ذلك ترتيبُه لمخارج الحروف وصفاتِها، قال ابن جنيّ:"فهذا هو ترتيبُ الحروفِ على مَذاقِها وتَصَعُّدِها ... مِمَّا رتَّبه سيبويه وتلاه أصحابُه عليه، وهو الصَّوابُ الذي يَشْهَدُ له التأمُّلُ بصحَّتِه" [2] .

وقال الدانيُّ:"اعلموا أنَّ قُطْبَ التجويدِ ومِلاكَ التحقيقِ معرفةُ مخارجِ الحروفِ وصفاتِها التي بها يَنفَصِلُ بعضُها من بعضٍ وإن اشتركَ في المخرج. وأنا أذكُر ذلك على مَذْهَب سيبويه خاصَّةً؛ إذ هو الصَّحيح المُعَوَّلُ عليه، إن شاء الله تعالى" [3] .

وقال القرطبيُّ:"أمَّا تحقيقُ ذواتِها وذِكْرُ مخارجِها، وتبيينُ أجناسِها، وذِكرُ مراتِبِها في الاطِّرادِ فنذكُرُهُ على ما ذكَرَهُ سيبويه ـ رضي الله عنه ـ ورتَّبَه ... وتلاهُ أصحابُه وغيرُهم من المتأخِّرينَ عليه؛ لأنَّه المُعتمَدُ" [4] .

وهذه النُّصوص توحي بأنَّ هناك نظمًا أخرى في ترتيب المخارجِ لم يعتمدها أكثرُ العلماء كترتيبِ الخليل في العين، والكنديّ في اللُّثغة.

ومِمَّا تمَيَّزَ به سيبويه في الجانبِ الصَّوتيِّ أيضًا قدرتُه الفائقةُ على جمعِ النَّظير إلى النظير، ورَبْطِ الأمثلة بعضِها ببعضٍ. ومن الأمثلة الصَّوتيَّة التي تدلُّ على ذلك: (مصطلح التقريب) ، ومن الأمثلة النحويَّة مسألة (العشرون درهمًا) [5] .

وقد سار سيبويه على نهجِ الخليلِ بالتغيير في المصطلحاتِ، فمن ذلك تعبيرُه عن الصَّوتين المتماثلَين بـ: (المثلان) ، و (الحَرْفُ الذي هُو مثلُ ما بعدَه) ، و (الحرفان اللَّذان تَضَعُ لهما مَوضعًا واحدًا لا يَزولُ عنه) ، و (الحرفان اللَّذان هما سواء) ، وسيأتي ذِكْرُ ذلك في مظانِّه.

(1) الخصائص 3/ 186.

(2) سر صناعة الإعراب 1/ 45 - 46.

(3) التحديد ص 102.

(4) الموضح ص 77.

(5) في مصطلح: (التقريب) بين الأصوات، ربَطَ سيبويه سبعةَ مواضع من كتابه بمصطلح الإدغام بجامعِ الخفَّة والانسجام. ولمراجعة مسألة: (العشرون درهمًا) انظر: مقالة في مجلة المَورِد مج 16/ ع 1 1987 م ص 119 - 128، بعنوان: (عشرون درهمًا في كتاب سيبويه) للمستشرق الإنجليزيّ ميخائيل جورج كارتر، ترجمة وتعليق عبد اللطيف الجميلي وحاتم الضامن. دلَّل المستشرق من خلال اثنين وعشرين موضعًا في الكتاب استَعمل فيها سيبويه عبارة: (عشرون درهمًا) لتكون مثلًا قياسيًّا لمختلفِ السِّمات النحويَّة التي تُجَسِّدُها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت