هُدِيَتْ لهم دون مُتَقَدِّمِيهم المواضعةُ على أسماءٍ لها، كما يصحُّ ذلك في الأمور المشاهَدة" [1] ."
وقال عبد القاهر الجرجانيُّ:"المواضعةُ لا تَكُونُ ولا تُتَصوَّرُ إلا على معلومٍ، فمحالٌ أن يوضَع اسمٌ أو غيرُ اسمٍ لغيرِ معلومٍ، لأنَّ المُواضَعةَ كالإشارةِ، فكَمَا أنَّكَ إذا قُلْتَ: خُذْ ذاكَ، لم تَكُن هذه الإشارةُ لتُعرِّفَ السامعَ المشارَ إليه في نفسِه، ولكن ليُعلَم أنه المقصودُ من بين سائر الأشياء التي تراها وتُبصِرُها، وكذلك حكمُ اللَّفظِ معَ ما وُضِعَ له" [2] .
وهذا الفهمُ السابقُ ذو أهمِّيَّةٍ بالِغةٍ في وضعِ مصطلحاتِ العلوم في عصرنا الحاضِر؛ إذ هي تُلزِمُ المشرِّعين اللُّغويِّين من أصحاب المجامعِ أن يضمُّوا إلى جانبِهم المتخصِّصين في العلومِ الأخرى حتى يكونوا مشاركين في وضع المصطلحِ العلميِّ؛ لأنَّهم أقدَرُ الناس على تصوُّرِه وإدراكِه.
ذكَر المتقدِّمون خمس أدوات تستطيع أن توصِل فيها ما في نفسِك إلى الآخرين، وهي: اللَّفظُ، والخطُّ، والرَّمزُ، والعددُ، ودلالةُ الحال.
1 ـ اللَّفظ: وهو أعلاها رتبةً، قال الخفاجيُّ:"وإنَّما فَزِعَ العقلاءُ إلى الحروفِ في المُواضَعة؛ لأنها أسهلُ وأوسع، ومع التأمُّل لا يوجَد ما يقوم مقامها" [3] .
2 ـ الخَطُّ: قال الفارابيُّ:"فكلُّ ما يُمكِنُ أن يُقَالَ في الألفاظ فإنه ممكِنٌ أن يُقَالَ بِعَينِهِ في الخُطُوطِ، فلمَّا كانت الخطوطُ دلالتُها على الألفاظ باصطلاح، كذلك دلالةُ الألفاظ على المعقولات التي في النَّفْس باصطلاح ووضعٍ وشريعة" [4] .
ومن المصطلحات التي استُعملت فيها دلالة الخطّ مصطلح: (الياء) استُعمل للتعبير عن الهمزة المرسومة على ياء، وسيأتي.
3 ـ الإشارة، أو الرَّمز: منه قولُ الله تعالى لزكريّا عليه السلام: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا} ، وقوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا} فجعَل ـ سبحانه ـ الإشارةَ والرَّمز كلامًا.
وقال الجاحظ:"وقد يتهدَّد رافعُ السيف والسَّوط، فيكون ذلك زاجرًا، ومانعًا رادعًا، ويكون وعيدًا وتحذيرًا."
(1) المغني 5/ 186. وانظر التفكير اللساني ص 125.
(2) دلائل الإعجاز ص 540.
(3) سر الفصاحة ص 40.
(4) شرح العبارة ص 25 - 26. وانظر التفكير اللساني ص 73.