فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 832

بالاصطلاح" [1] ."

ويمثِّل عبدُ القاهر الجرجانيُّ لذلك بكلمتَي: ضرَب وربَض، حيثُ يَصِحُّ بالمُوَاضَعَةِ أن تَجْعَلَ (رَبَضَ) مكان: (ضَرَبَ) ، قال:"نظمُ الحروف هو تَوَالِيها في النُّطق فقط، وليسَ نظمُها بمقتضىً عن معنى، ولا الناظمُ لها بِمُقتفٍ في ذلك رسمًا من العقلِ اقتَضَى أن يَتَحَرَّى في نظمِه لها ما تحرَّاهُ، فلَو أنَّ واضعَ اللُّغةِ كان قد قالَ (رَبَضَ) مكان (ضَرَبَ) لَمَا كان في ذلك ما يؤدِّي إلى فساد" [2] .

ويُعَمِّق ابن سينا هذا المفهومَ بقوله:"وذلك أن اللَّفظَ بنفْسِهِ لا يَدُلُّ البتَّة، ولولا ذلك لكان لِكُلِّ لفظٍ حقٌّ من المعنى لا يُجَاوِزُهُ، بل إنما يَدُلُّ بإرادةِ اللاَّفِظِ، فكما أن اللاَّفِظَ يُطلِقُهُ دالاَّ على معنًى، كالعَينِ على الدِّينارِ، فيكون ذلك دلالتَه، كذلك إذا أخْلاَهُ ـ في إطلاقه ـ عن الدلالةِ بقِي غيرَ دالّ" [3] .

ويَتَجَاوَزُ الشهرستانيُّ حدودَ الألفاظ بقوله:"الكلامُ ليس جنسًا ونوعًا في نفسِه ذا حقيقةٍ عقليّةٍ كسائرِ المعاني، بل هو مختلِفٌ بالمواضَعة والاصطلاح والتواطؤ، حتى لو تواطأ قومٌ على نقَرات وإشارات ورمَزات لحصل التفاهمُ بها كما حصَل التفاهمُ بالعبارات" [4] .

وهكذا يقولُ علمُ اللُّغة المُعاصِر: اللُّغةُ تتألَّفُ"من إشاراتٍ أوعلاماتٍ (signes , signs) لا يَرْبِطُ بينها وبين الشيءِ الذي تُشيرُ إليه أيُّ رابطٍ عُضويٍّ أو تشابهيّ. فليس في الشجرة (الشيء الخارجيّ) أيةُ علاماتٍ أو خصائص تَجْعَلُ المتكلِّمَ العربيَّ يتلفَّظُ بكلمة"شَجَرة"ليدلَّ عليها. كما أنَّ هذه الكلمة بحدِّ ذاتِها لا تَمْلِكُ عناصر أو تراكيب تدلُّ بشكلٍ مَّا على هذا الشيء الخارجيّ (كالشين مثلًا للدَّلالة على الأوراق الخضراء، أو الجيم للدلالة على الجذعِ والأغصان ... الخ) ."

فاستعمالُ كلمة"شجرة"يَنتُجُ عن اصطلاحٍ جماعيٍّ اتَّفَقَ عليه مجموعٌ من النَّاس متكلِّمين. وهكذا، فإنَّ العلاقةَ التي تَرْبِطُ بين الإشارةِ اللُّغويَّة والشيء الخارجيّ الذي تدلُّ عليه هي نتيجةُ اتِّفاقِ رهطٍ من النَّاسِ حول استِعمالاتها (هذا الاتِّفاق يَتِمُّ بالطَّبْع خلال فترةٍ طويلةٍ من الزَّمن تَخْضَعُ خلالَها الإشاراتُ اللُّغويةُ إلى عواملَ عديدةٍ) " [5] ."

ومِن الأمور المهمَّة التي ذكَرَها المتقدِّمونَ في الاصطلاح والمواضَعةِ أنَّ الاصْطِلاَحَ عَلَى الشَّيءِ فَرْعٌ عن تَصَوُّرِهِ وإدرَاكِه، قال القاضي عبد الجبار:"المُعتَبَرُ في صحَّةِ المُوَاضعَةِ على الأسماءِ بأن يَكُونَ المُسَمَّى مَعْلُومًا أو في حُكْمِ المَعْلُوم، عُلِمَ باضطرارٍ أو باكتسابٍ، ولذلك صَحَّ من طوائفِ أهلِ العِلْم عند معرفتهم بأمورٍ"

(1) شرح العبارة ص 50 - 51.

(2) دلائل الإعجاز ص 40 نسخة رضا، وص 49 نسخة شاكر.

(3) انظر: التفكير اللساني للمسدِّي ص 111.

(4) نهاية الإقدام في علم الكلام ص 323. وانظر التفكير اللساني ص 133.

(5) علم الأصوات العام لبسام بركة ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت