فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 832

الألفاظِ والمصطلحات يحمي من العبثيّة في الكلام.

قال القاضي عبد الجبار الهمَذانيّ:"ولا يَحْسُنُ استِعْمَالُ العبارةِ المُفِيدَةِ إلاَّ عَلَى الوَجْهِ الذي وُضِعَتْ لهُ في سائرِ ما تَنقَسِمُ إليهِ مِن الكلامِ، وإلاَّ كانَ المُتَكَلِّمُ بها عَابِثًا أو في حُكْمِ العَابِثِ، ولذلك لا يَحسُنُ اتّباعُ أهلِ اللُّغةِ في مُوَاضَعاتِهِم إلا بعدَ العِلْمِ بمقاصدِهم فيما وضَعُوهُ من اللُّغةِ، فثبَتَ بذلكَ أن إجراءَهم الاسمَ المُفيدَ لا يَحسُنُ إلا بعدَ العلمِ بفائدَتِه، كما أنَّ ما عُلِم فيه فائدةُ الاسم يَحسُنُ إجراءُ الاسم عليه" [1] .

ويُعَمِّقُ ابنُ حزم هذا المفهومَ بقوله:"قد علِمنا ضرورةً أن الألفاظ إنَّما وُضِعت ليعبَّر بها عما تقتضيه في اللُّغة، وليعبَّر بكلِّ لفظةٍ عن المعنى الذي عُلِّقَتْ عليه، فمن أحالها فقد قصَد إبطال الحقائق جملةً، وهذا غاية الإفساد" [2] .

وهذا الفهم الدقيقُ من المتقدِّمين فيه تنبيهٌ إلى خطَرِ مَن يتلاعَبُ بالألفاظ فيما نُشاهِدُ ونرى ونَسمَع، ومن يَعبَثُون بدلالات اللُّغة لإفقاد الأمَّة هويَّتَها وثقافتَها، وقد يَنجَحون في ذلك ـ لا سمح الله ـ مع الضعف الشديد الذي نراهُ من أبناء اللُّغة، والله هو المغُيِّرُ لأحسن حال .. آمين.

سادسًا: أنواعُ الألفاظِ من حيث الدّلالة على المعاني

ألفاظ اللُّغة من حيث دلالتُها أربعة أنواع: مشتركة، ومتواطئة، ومترادِفة، ومتباينة أو متزايلة.

1 ـ المشتركة: هي اللَّفظ الواحد يُطلَق على موجودات مختلفة، كلفظ: (العَين) ، تُطلَق على: العين التي تُبصِر، وينبوع الماء، وقرص الشمس. ومثالُهُ من المصطلحات مصطلح: (الفتح) استُعمِل في أكثر من معنى، منها: الفتحُ المعروف، والتفخيم، والفتح ضدّ الإمالة، والمدّ.

2 ـ المتواطئة: هي التي تدلُّ على أعيان متعدِّدة بمعنىً مشترك بينهما، ومنه أسماء الأجناس، كدلالة اسم (الإنسان) على: (زيد) و (عمرو) .

3 ـ المترادفة: هي الأسماء المختلفة الدالَّة على معنى يتدرَّجُ تحت تعريف واحد، كـ: (الخمر) و (الراح) و (العقار) ، فإن المسمَّى بهذه يجمعُه تعريفٌ واحد، وهو:"المائعُ المسكِر المعتصَر من العنب"، والأسامي مترادفةٌ عليه.

وهذا الفهمُ مهمٌّ جدًا في المصطلحات الصَّوتيَّة؛ إذ لكلِّ مصطلحٍ معنىً خاصٌّ في نفسه، لكن يجمعُه مع نُظَرَاءَ له معنىً عامٌّ، كمثل التعبير عن مخرج الحرف بـ: المَوْضِع، والحيِّز، والمَخْرَج، والمَقْطَع، كلُّ هذه الألفاظ لها معانٍ في أنفسها، لكن تَنْدَرِجُ تحت معنىً عامٍّ هو مخرج الحرف.

(1) المغني 5/ 187.

(2) الإحكام 1/ 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت