فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 832

1 ـ جَرَت العادةُ في البحوث العلمية الجامعية أن يَضَع الباحثُ في آخر بحثه النتائجَ التي خرج بها من بحثه وتوصياته حول الموضوع الذي كتبه، وهذه النتائجُ والتوصياتُ منها ما يُعَدُّ معالمَ طريقٍ لِمَن أراد أن يبحث في الموضوع ذاته أو ما يَقْرُبُ منه، وتُوَفِّرُ عليه كثيرًا من الجهد في اختيار موضوع رسالته. وحيث إنّه يَثقل على أيّ باحثٍ أن يَطَّلِع على نتائجِ وتوصياتِ جميعِ الرَّسائلِ الجامعيَّة التي قُدِّمَتْ فإنَّني أقتَرِحُ على كلّية اللُّغة العربية الموقّرة وقسم الدراسات العليا فيها أن تُجمع توصياتُ الرسائل الجامعية التي قدَّمها الباحثون في كافة المواضيع ليَخرُج لنا كتاب يَخدم الباحثين في مسيرتهم العلميّة، وفي اختيارهم لمواضيعهم، ويكون بمثابة دليلٍ إرشاديٍّ لهم والله الموفق.

2 ـ يتحتَّم على العلماءِ العالِمين بالتراثِ تَحْديثُ لغةِ العُلُوم الأصيلةِ لتُناسِب تغيُّراتِ العصر ذي الطابَعِ المعرفيِّ الهائِل، وهذا التحديثُ لا يَكونُ في نبذ القديمِ جملةً، والذَّوَبان في ثقافات الغَير، واستبدال مصطلحات المتقدِّمين جميعًا بالمصطلحات الغربيَّةِ المعاصِرة فقط لغلَبتِها.

إنَّ هذا الذَّوبان تخاذلٌ مُشينٌ من أبناء اللُّغة عن أداء واجباتِهم تجاه ثقافتِهم ولغتهم وأمَّتِهم، وهو سببٌ رئيسٌ في عزوف الناس عن اللغة العربية اليوم، واستشراءِ اللُّغة الأجنبية، والتشدُّقِ بها، بل واستعمال مصطلحاتها، بلا ضرورةَ تُذكَر، سوى ضعفِ النفوس، والزهدِ باللُّغة العربيَّة، ولن يعطيَ العلمُ مقادتَه لأمَّةٍ كسولةٍ رضِيتْ أن تكون في آخر الرَّكْبِ وركَنتْ إلى ذلك، ولن تستعيدَ الأمَّةُ عافيتَها بوجودِ هذا التخاذُل والمرضِ؛ فاللُّغةُ كائنٌ حيٌّ، تَمُوتُ بِتَخَاذُلِ أهْلِهَا، وتَقَاعُسِهِمْ عَنِ النُّهُوضِ بها، وتأثُّرِهِمْ بالثَّقَافةِ الدَّخيلةِ عليهم، قال ابنُ حزمٍ الأندلسيُّ:"إن اللغةَ يَسقُط أكثرُها ويَبطُلُ بسُقُوطِ دَوْلةِ أهلِها، ودخولِ غيرِهم عليهم في مساكنِهم، أو بِنَقْلِهِم عن ديارهم، واختلاطِهم بغيرهم، فإنَّما يُقَيِّدُ لغةَ الأمَّة وعلومَها وأخبارَها قوةُ دَولتها، ونشاطُ أهلِها، وفراغُهم، وأما من تَلِفَتْ دولتُهم، وغلَب عليهم عدوُّهم، واشتغَلوا بالخَوف والحاجةِ والذلِّ وخدمةِ أعدائهم فمضمونٌ منهم موتُ الخواطر، وربَّما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم" [1] .

3 ـ إنّ ما نحتاجُه اليوم هو دراسةُ تراثِنا دراسةً واعيةً فاحصةً متأنيةً على كل مستويات العلوم، وتبويبُ معلوماته وتنظيمُها بشكلٍ واضحٍ ومُيَسَّر، ثم دراسةُ ما قدَّمه علماءُ الغرب من أبحاثٍ صوتيَّة دراسةً فاحصةً متأنيةً، ثم القيام بمقارناتٍ بينها لِنَصِلَ إلى معادلةٍ تُوَفِّقُ بين الماضي والحاضر، ولنَكُونَ بذلك قد قَدَّمْنا خدمةً جليلةً لِلُغتنا المقدَّسة، ورَبَطْنَا أنفسَنا وأجيالَنا بتراثِ آبائنا وأجدادنا، ووَقَفْنَا على أرضيَّةٍ صُلْبةٍ ثابتةٍ، لا تَعصِفُ بها تغيّرات الحاضر السريعة، للوصول إلى علمٍ صوتيٍّ عربيٍّ أصيلٍ بدلًا من الافتيات على موائد الغير كالغراب المقلّد.

(1) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت