يعدُّ الحديثُ عن اللُّغةِ ونشأةِ ألفاظِها مدخلًا طبيعيًا للحديث عن المصطلح الصوتي ودلالته، لأن المصطلح عمومًا ما هو إلا لفظٌ من ألفاظ اللُّغة قد يكون ارتجاليًا في أوَّل الأمر من أحد الأفراد، ثم تَرْتَضِيهِ الجماعةُ المتحدِّثةُ به ليُصْبِحَ من ثَوَابِتِ العِلْم ولوازمِه، تمامًا كما هو الحال مع مصطلحات سيبويه التي ضمَّنَها كتابَه، حيث كانت ارتجاليَّةً منه ـ رحمه الله تعالى ـ لكن أذعَن لها العلماءُ بالقَبول حتى أصبحَتْ جُزءًا من العِلْم الصوتيِّ، وأصبح الخروجُ عنها شذوذًا عن العِلْم نفسِه.
ومن ناحيةٍ أخرى فإن بعضَ المصطلحات يمرُّ بذات المراحلِ التي مرَّتْ بها ألفاظُ اللُّغة من وضعٍ وتحوُّلٍ دلاليٍّ وغير ذلك من التغيُّرات الطارئة عليها.
وهذا التمهيدُ الذي أتناولُ فيه وضعَ ألفاظِ اللُّغةِ ومصطلحاتِها يَكشِف بشكلٍ فلسفيٍّ مختصرٍ عن خُلاصةِ التفكير اللِّسانيِّ لمنظِّري علماء المسلمين من أصوليِّين وبلاغيِّين ومتكلِّمين وفلاسِفة، ومدى قدرتهم على تحليل المصطلح، ونظرَتِهم العَمِيقة إلى كيفيَّة نشأتِه ودلالته. ويُبرِزُ بشكلٍ خاصٍّ مفهوم الاصطلاح والمواضَعة عندهم، عسى أن تَكُونَ صُوىً ومعالم للعاملين في مجال المصطلحات.
وسأوجِز ذلك في نقاط، تمثِّلُ كلُّ نقطةٍ عنوانًا ينضوي تحته عدَّةُ أفكار، مُدَعِّمًا ذلك بالنُّصوص المناسِبة [1] :
أوَّلًا: اللُّغة والمواضعة
وَضْعُ الألفاظِ للمعاني إنَّما هو مرتبطٌ بشكلٍ أساسيٍّ بالتَّواضُع والاصطلاح من أهل اللُّغة على أن يجعَلوا هذا اللَّفظ لهذا المعنى، لا أنَّ هناك تلازمًا حتميًّا أكيدًا بين اللَّفظ والمعنى، ولْيَعْذُرْنا ابنُ جنيّ [2] ، فتركيبُ الألفاظِ اصطلاحٌ وارتجالٌ من أهلِ اللُّغة، وليس بالضَّرورةِ أن يَتْبَعَ المعاني، قال الفارابيُّ:"فمحاكاةُ تركيبِ المعاني بتركيب اللَّفظ هي مصطلحٌ عليه، فكأنه اصطُلح على أن يكون محاكيًا له، لا على أنه في طِبَاعِ الأمرِ أن يَكُونَ تركيبُهُ مُشَابِهًا لتركيبِ اللَّفظِ بالطَّبْعِ، لكن بالاصطلاحِ، فإنَّ محاكاةَ الأمورِ المُتَشَابهةِ بعضِها بعضًا هي محاكاةٌ بالطَّبْع، ومحاكاةُ التركيبِ في اللَّفظ للتركيبِ المشارِ إليه في المعنى هو"
(1) أكثر أفكار هذا التمهيد ونصوصِه مستَخلَصٌ من كتاب التفكير لللِّسانيّ في الحضارة العربية للدكتور عبد السلام المسدّي.
(2) يعدُّ ابن جنيّ رائدَ القائلين بتلازمِ اللَّفظ والمعنى في الوضع، وقد اصطلح على تسمية ذلك باسم: الاشتقاق الأكبر، وحشَد لتأييد فرضيَّتِه عددًا من الأمثلة. انظر: باب في تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وبابٌ في إمساس الألفاظ أشباه المعاني في الخصائص 2/ 145 - 168.