فهرس الكتاب
التطوُّر اللُّغويُّ ناموسٌ من نواميس الحياة يُصيبُ اللُّغاتِ جميعًا، وذلك للأسباب التي ذكَرتُها في أوَّل الدِّراسةِ، لكنْ هناك من التطوُّرات اللُّغويَّة الفرديَّة ما تأباه الجماعةُ اللُّغوية، ويعدُّونَه من الانحرافات النُّطقيَّة، وهذه الانحرافات إمَّا أن تكون عيوبًا في أصل الخِلْقَة كالتأتأة والفأفأة واللُّثغة، أو للعُجمة أو للمخالطةِ بغير أبناء اللُّغة أو غير ذلك من الأسباب.
وكانت العربُ تَخْشى اللَّحْنَ والخطأَ في كلامِها، وقد رُوِيتْ في ذلك رواياتٌ تَزخَرُ بها كتبُ البلاغة كالبيان والتبيين للجاحظ، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرِّد، وغيرها.
وجاء وصفُ عيوبِ النُّطقِ في ثنايا كتب المعاجم، فقد ذكَر الخليلُ كثيرًا من الألفاظ التي استعملتها العرب تعبيرًا عن العيوب النُّطقيَّة، وجاء ذلك في ثنايا كلام سيبويه، ويُعدُّ الجاحظُ أوَّلَ من أفرَد لها فصولًا في كتابِه العظيم البيان والتبيين ثمَّ تبعه المبرِّدُ في كتابه الكامل، ومن الرَّسائل المتخصِّصة التي ألَّفها المتقدِّمون في عيوب النُّطق رسالة الكندي في اللُّثغة، وكتاب: بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها القرَّاء لابن البنَّاء، وقد نقَل فيه بعضَ العيوب التي تصيب اللِّسان وبعض علاجاتها تحت باب: (وصف العوارض باللِّسان والحيلة في إذهاب بعضها من الإنسان) ، ولا يزال المجال مفسوحًا للكشفِ عن مَزِيدٍ من الرَّسائل والكتب التي تحدَّثت عن هذا الجانب.
مقارنة بين مفهوم المتقدِّمين والمعاصرين في العيوب النُّطقية والأمراض الكلاميَّة [1] :
يبدأ معظمُ الأطفال النُّطقَ بكلمات قصيرة عندما يقتربون من عامهم الأول، وقد يتأخَّر بعضهم بضعة شهور على الرغم من كونهم طبيعييِّن، ويعود هذا إلى الفروق الفرديَّة في مختلف أنواع النموِّ والتطور، وإلى طبيعة شخصيَّة الطفل في أثناء تطوّره، وإلى العوامل البيئية والوراثية التي قد تؤثِّر على هذه المَقدِرات.
ويتطوَّر النطقُ لدى الأطفال في الفترة 2 - 4 سنوات من العمُر؛ إذ إنه في هذه الفترة يَستعمل مفرداتِه المتطوِّرة بسرعة ليتفاعل مع البيئة المحيطة به، ومع هذا فإن سرعة اكتساب الطفل للمفردات لا تتناسب مع قدراته العقلية المتطوِّرة وقدرتِه على الفهم؛ مما ينتجُ عن هذا تلكؤ الطفل وحدوثُ التأتأة.
إن التأتأة وعدمَ الاسترسال في الكلام تُعتبر من الخصائص الطبيعيَّة للتطوّر اللُّغوي أحيانًا، إذا لم تَزدد
(1) الأفكارُ الرئيسة لهذه النقطة ملخَّصةٌ من مقالة بعنوان (مشاكل النطق وعلاجها عند المسلمين وبعض مصطلحات عيوب النطق) للدكتور محمود الحاج قاسم محمد في المجلة الثقافية الصادرة عن الجامعة الأردنية، عدد (41) ، شهر ذو الحجة 1417 هـ - ربيع الأول 1418 هـ (ص 411 - 415) .