سطح اللِّسان حتى يُحْدِثَ حبسًا بعد حبسٍ غيرِ محسوسٍ حدَثَ الرَّاء" [1] ."
وهذا الوصفُ الدَّقيق يحلُّ إشكالا عند القرَّاء في إخفاء تكرير الرَّاء جملة، أو إبقائه، وما وجه النهي عن التكرار فيه؟ فجاء هذا النصُّ ليبيِّن لنا أن التكرار هو اهتزازٌ خفيٌّ لطرفِ اللِّسان بحيث أنَّ اللِّسان لا يتجافى عن موضعه بل يهتزُّ سطح اللِّسان كما ذكَر، وهذا الاهتزاز الخفيُّ هو الذي يُجري صوتَ الرَّاء، وأنَّ وجه النَّهي هو عن المبالغة في التكرار حتى يَنفَصِل طرفُ اللِّسان عن المخرج، والله أعلم. وقد تقدَّم الحديث عن الترعيد ضمن تكرير الرَّاء دون إفراده كمصطلحٍ مستقلٍّ.
7 ـ المصطلح السابع للعيوب المنهيّ عنها من التطريب واستعمال الألحان: (الترقيص)
يدلُّ أصله اللُّغويُّ على النَّقَزان. يقالُ رَقَصَ يَرْقُصُ رَقْصًا، ويقال: أرقَصَ البعيرَ: حمَلَهُ على الخَبَب. ورَقَّصَت المرأةُ ولدَها [2] .
قال عبد الوهَّاب القرطبيُّ:"وأمَّا الترقيصُ فهو أن يَروم السُّكوتَ على السواكن ثمَّ يَنفُرَ مع الحركة كأنَّه في عَدْوٍ وهرولةٍ، وربَّما دخَل ذلك على مَن يُريدُ التجويد والتحقيقَ، وهو أدقُّ معرفةً من الترعيد" [3] .
التدريبُ وتصحيحُ النُّطقِ سُنَّةٌ من سُنَنِ العربِ في كلامِها، فقد كانوا يَعْلَمُون أهمِّية التدريب النُّطقيِّ في الكلام في حفظِ ألسنتهم من التلكؤ اللُّغويّ والانحرافِ النُّطقيّ، ويَرَوْنَ أنَّ طولَ الصَّمْتِ يُفسِدُ اللِّسانَ، قال الجاحظُ مبيِّنًا أهمِّية الرِّياضةِ النُّطقيَّة:"وطولُ الصَّمْتِ يُفْسِدُ اللِّسان ... وإذا تَرَكَ الإنسانُ القَوْلَ ماتَتْ خَواطِرُهُ، وتَبَلَّدَتْ نَفْسُه، وفَسَدَ حِسُّهُ. وكانُوا يُرَوُّونَ صِبيَانَهم الأرجازَ، ويُعَلِّمونهم المُناقَلاَت، ويَأْمُرونَهُم بِرَفْعِ الصَّوتِ، وتحقيقِ الإعراب؛ لأنَّ ذلك يَفْتِقُ اللَّهَاةَ ويَفْتَحُ الجِرْمَ."
واللِّسانُ إذا أَكْثَرْتَ تَقْلِيبَهُ رَقَّ ولاَنَ، وإذا أَقْلَلْتَ تَقْلِيبَهُ وأطَلْتَ إسكَاتَهُ جَسَأَ وغَلُظَ. وأيَّة جارِحةٍ مَنَعْتَها الحركةَ، ولم تُمَرِّنْها على الاعتِمالِ، أصابَها من التعَقُّدِ على حسب ذلك المَنْعِ" [4] ."
وقد اهتمَّ علماء البلاغة والبيان بهذا الجانب وبيَّنوا أهميته في تحقيق الفصاحة في الكلام، ثم استلم أهلُ التجويد الرَّايةَ منهم فأحرزوا فيه السَّبْق، قال الدانيُّ:"فتجويدُ القرآن هو إعطاءُ الحروف حقوقَها، وترتيبُها مراتبَها، وردُّ الحرفِ من حروفِ المُعجَم إلى مخرجِه وأصلِه، وإلحاقُه بنظيرِه وشَكْلِه، وإشباعُ لفظِه، وتمكينُ النُّطقِ به على حال صيغتِه وهيئتِه، مِن غير إسرافٍ ولا تَعَسُّفٍ، ولا إفراطٍ ولا تَكَلُّفٍ، وليس بَينَ التجويدِ"
(1) أسباب حدوث الحروف ص 82.
(2) مقاييس اللغة ص 397 (ر ق ص) والمصباح المنير ص 235.
(3) الموضح ص 212.
(4) البيان والتبيين 1/ 184.