فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 832

ومصطلحاتها، وإلى لفتِ الأنظار إلى إمكانيَّة إرساءِ علمٍ صوتيٍّ عربيٍّ أصيلٍ، خالٍ من الشَّوائبِ، نقيٍّ عن التشويه، بعيدٍ عن الاستسقاء والاستشفاء من ثقافةٍ غربيَّةٍ جعلَتْ من أهدافِها أن تَجمعَ ثقافات العالَم على ثقافتِها، يقولُ المستشرقُ (برنارد لويس) بالنِّيابةِ عن مثقَّفي عصره من الغربيِّين:"إنَّ ما تَعَوَّدْنا عليه في الغربِ هو أن يَزدادَ تمسُّكُنا بمثُلِنا الغربية كلَّما ازدادَ اتجاهُ الشرقيِّين إلينا وذلك بجَعْلِ أنفسِنا مثالًا للفضيلةِ والتقدُّمِ الحضاريِّ، فإذا تَشَبَّهَ الشرقيُّون بنا فذلك جَيِّدٌ، والعكسُ يُعَدُّ عندنا شرًّا. فالتقدُّمُ هو في مُحاكاتِنا، والتقَهْقُرُ والسُّقُوطُ هو في عدمِ التشبُّهِ بنا" [1] .

إنَّ هذه الدِّراسةَ لا تَكْرَهُ التجديد، كيف .. وهي تدعو إليه في كلِّ أجزائها،"لكنَّها تُفضِّلُ التجديد القائمَ على القُدرةِ، لا التجديد الذي يَحتالُ للضَّعفِ والعَجز" [2] .

والكلُّ يَعلمُ أنَّنا تعوَّدْنا منذ أوائل القرن الماضي أن نَسْتَقِي تقييمَ تراثنا الصوتيِّ من خلال ما كتبه المستشرقون عن علمائنا وتاريخنا، وأن نُسلِّمَ لهم ما يتوصَّلُون إليه من أحكام، حتى قال قائلُنا كلمتَه العجيبة:"ويكفي العربَ فَخْرًا في مجالِ الأصواتِ أن يشهد لهم عالمان غربيَّان كبيران ..." [3] .

إنَّنا لن نستطيع أن نفهم الحاضرَ ونُقيِّمَ ثقافتَه وننطلِق منه إلى المستقبل حتى نستقرئ الماضي ونَعرِف حدودَه العلميَّة المعرفيَّة، وغايةَ ما وصل إليه، ولا أدَّعي أن هذه الدِّراسة قد قامتْ بتغطية ذلك، بل أقول: إنَّ هذه الدِّراسة محاولةٌ على الطريق أرجو أن يُكتب لها التوفيق.

والتنازعُ بين القديم والجديد أو الأصالة والمعاصَرة معادَلةٌ أزليّة وصراعٌ قديمٌ، ويَبقى البقاءُ للصالح دَومًا.

ومن هنا يَصِحُّ لنا أن نقول: إنَّ دراسةَ أيِّ تفكيرٍ علميٍّ منظَّم ينشأ عنه مقولاتٌ واصطلاحاتٌ إنَّما هو دراسةٌ لانفعالاتِ أذكياء الناس إزاءَ ما يَرَونه من ظواهرَ تحيطُ بهم، وما يستفيدونه من تجارب الأمم التي سبقَتهم، وقد تتَّفق هذه المقولاتُ عبر تاريخ العلم الطويل، وقد تتباين، تبعًا لتنوُّع الرؤى وتطور التفكير، وتبعًا للمنحى العلميِّ العام، ممَّا يُحتِّمُ على دارسِ تاريخ أيِّ علمٍ أن يَكشِف عن الوشائجِ والصِّلاتِ التي تَربِطُ ثقافةَ الحاضِر بثقافةِ الماضي حتى يكونَ النَّظَرُ إلى العِلم الحاضرِ عادلًا موضوعيًّا، دون تهويلٍ يجعلُه فوق كلِّ علمٍ، ودون إنقاصٍ يحُطُّه عمَّا له من فَضْل.

وتَكْمُنُ فائدةُ علمِ اللُّغةِ المعاصر في طريقةِ ترتيبِهِ الفكرِيِّ، ونَظْرَتِه إلى العُلُومِ بالمنظارِ الكاشِفِ، أي بتَجَاوُزِهِ لحدودِ العلمِ الخاصِّ، واشتراكِ أكثرَ مِن عِلْمٍ في قَضَايَاهُ مِمَّا هو مُناسِبٌ للمَنحَى الفِكرِيِّ العامِّ في العالَم أعني به الاتجاه إلى التقارُبِ الثقافيِّ بين الشُّعوب.

(1) الاستشراق والتاريخ الإسلامي ص 34 - 35.

(2) من مقالة للدكتور علي الزبيدي بعنوان"الخليل الموسيقار"مجلَّة المورد 1395 - 1975 مج 4 عدد 4 ص 29.

(3) أحمد مختار عمر: البحثُ اللغويُّ عند العرب ص 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت