فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 832

غيرَ أنَّ الاتجاهَ إلى التقارُبِ لا يعني أبدًا الذوبانَ في ثقافات الغَيْرِ دون اختِبارِها ونَقدِها وتَمحِيصِها، والتأكُّدِ من نتائجها، فبعضُ القَضَايَا التي تَنَاوَلَها علمُ اللُّغةِ المعاصِر يَحْكُمُها أكثرُ من طريقةٍ للتفكير، وربما عبَّرتْ عن وِجهَةِ نظَر أصحابِها الخاصّة فتَبَنِّي مثلِ هذه الطرائق التي هي قابلةٌ للتغيير دون التأكد من صلاحيتها في خدمةِ لغَتِنا جريًا وراءَ كلِّ جديدٍ لحَرِيٌّ أن يَخلِقَ مشكلاتٍ لسانيةً وأزَمَاتٍ ثقافيةً لدى الدارس، فهو عبثًا يُلاحِقُ كلَّ جديد.

يَحتَاجُ الأمرُ منَّا أن نَقِفَ وقفةً واعيةً غيورةً كما وَقَفَ علماؤنا الأوائل الذين استفادوا من معارفِ مَن قبْلَهم، غيرَ أنهم لم ينسَوا هويَّتَهم الأصيلةَ التي صَبَغُوا بها علومَهُم ومعارِفَهم؛ استَثْمَرُوا معارفَ الأممِ التي سبَقَتْهُم، ونَبَّهُوا على أخطائها، وكوَّنوا حضارةً هي أسُّ الحضارة الحديثة .. يَشهَدُ بذلك القاصي والداني.

إنَّ السَّببَ الذي دَعَاني إلى تقديمِ هذه المقدِّمة هو كثرةُ التَّطَابُقِ العَجِيبِ في المعلوماتِ بين ما بحَثَهُ الصَّوتيُّون المتقدِّمونَ وما قدَّمَه علم الأصواتِ المُعاصِر مِمَّا يَستَحِثُّ هِمَم الباحثين للخوضِ في هذا الميدانِ الخصب والكشف عن السَّبق العلميِّ الذي وصَل إليه أسلافُنا.

ولا شكَّ أن معرفةَ المتقدِّمين الموسوعيَّة، ومشاركتَهم في أكثرَ من علم جعلَت المعلوماتِ الصوتيةَ متفرِّقةً في علوم مختلفة، كما أنَّ عَصْرَ التخَصُّصِ الحاضِر حجَب عنَّا علمَهم الصَّوْتيّ، وجَزَّأَ الحُكْم عليه، وإنَّ تَلاَفي ذلك يَكُونُ في النَّظْرَةِ الكُلِّية لمُجْمَل تراثنا.

وقد اقتضى نمطُ التفكيرِ في عصرِ التخصُّصِ الحاضرِ أن تُفْرَدَ الأفكارُ الجزئيَّةُ ببحوثٍ مستقلَّةٍ، وليس كذلك التراثُ، ومن هنا كان الفرقُ بين الحاضِرِ والماضي، فليس على المتقدِّمين جِنَايةٌ في أنَّهم لم يَعْمَلُوا بمقتَضَياتِ العصرِ الحديثِ؛ إذ إنَّ طبيعةَ الموسُوعِيَّة عندهم فرَضَتْ عليهم نمطًا مُعَيّنًا من التفكيرِ، أدَّى بهم إلى عَرْضِ كثيرٍ من الأفكارِ الصوتية في ثنايا كتبِهم، فالواجبُ على الباحثين استخلاص هذه الأفكار وإبرازُها وتحديثُها حتى تُناسِبَ نمَطِيَّةَ هذا العصر.

كتُبُ الطبِّ ـ مثلًا ـ تَكشِف عن معرفة العرب الطبية والتشريحية في أعضاء النطق ووظائفها.

وكتبُ علم الكلام والمنطِق والفلسفة والموسيقى يُستشفُّ منها معرفتُهم الفيزيائية للصَّوت، وكيفيةِ حدوثه وإدراكه، والتعرُّفِ على خصائص الحدث الكلاميِّ عمومًا، وقوانينِ وضعِ الألفاظ ودلالتها، وموسيقيةِ اللَّفظ، والأخذِ بالوجوه [1] .

وكتبُ النحو والصَّرف والتجويد والقراءات يُقيَّم من خلالها معرفتُهم في مخارج الحروف وصفاتها، وأحكامِ تركيبها وتألُّفها.

(1) هو رفعُ الصَّوت وخفضُه دلالةً على بعض معاني الكلام، وهو مسمّىً قديم أَطلق عليه هذا المصطلح أبو الوليد ابن رشد (ت 595 هـ) ويسمَّى"التنغيم"حديثًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت