فالدالُ هو الحرفُ الوسيطُ العَدْلُ الذي يُقرِّبُ بين التاءِ والذالِ.
4 ـ قدَّم الفرَّاء عددًا من النُّصوص النادرة ذكَر فيها كيف كان الصحابةُ والتابعون - رضي الله عنهم - يُعبِّرون عن قراءاتهم، فمن أمثلة ذلك: (تَطْوِيلُ الألف) ، وهو من أقدم ما استُعمِل للتعبيرِ عن المدِّ، ويَرجع إلى القرن الأوَّل الهجريّ، قال الفرَّاء:"حدَّثَني عدَّةٌ، منهم: المُفَضَّلُ الضبِّيُّ، وقَيسٌ، وأبو بكرٍ، كلُّهم عن جَحشِ بنِ زيادٍ الضبِّيِّ عن تميمِ بنِ حَذْلمَ (ت 98 هـ) ، قال: قرأتُ على عبدِ الله بن مسعودٍ: {وَكُلٌّ آتُوهُ دَ 1 خِرِينَ} [النمل: 87] ، بتَطْوِيلِ الألِف. فقال: {وَكلٌّ أَتَوْهُ} بغير تَطْويل الألِفِ" [1] .
وهذا يُفيد في الكشف عن الإرهاصات المبكِّرة للمصطلحات، وستأتي عدة أمثلةٍ أخرى في البحث.
5 ـ قدَّم الفرَّاء عددًا من القواعدِ الصَّوتيّة المهمَّة، فمن ذلك قاعدتُه الدقيقةُ في الإدغام والإظهار: (يُدْغَمُ ما يَثْقُلُ على اللِّسانِ إظهارُهُ، ويُظْهَرُ ما يَسهُلُ فيه الإظهار) [2] .
6 ـ قدَّمَ الفراءُ عددًا من المصطلحاتِ الصَّوتيَّة استعملها عددٌ من الذين جاؤوا بعدَهُ من القرَّاء في كتبهم كابن مجاهدٍ وأصحابه، فمن ذلك مصطلح الإخفاء في النُّون حيث عنَى فيه كلَّ ما يَبقى معه غُنَّة، فدخَل فيه: الإدغامُ بغنَّة [3] ، وقَلْبُ النون الساكنة ميمًا عند الباء [4] ، وإخفاءُ النُّون عند الخمسة عشر حرفًا، وزاد مَن بعدهُ إخفاءَ الميم السَّاكنة عند الباء [5] ، على حين أنَّ سيبويه لم يَعنِ بـ: (الإخفاء) إلا إخفاء مخرج النُّون من اللِّسان عند الخمسة عشر حرفًا.
وترتَّب من جرَّاءِ ذلك أن حمَل بعضُ القرَّاء ـ ممَّن لم يَطَّلعوا على مفهوم عبارات الفرَّاء ومن تابعَه ـ العباراتِ التي عُبِّر فيها عن هذه المعاني الأربعة بهذا المصطلحِ على ما أراده سيبويه من الإخفاء، فوقَعوا في الوهْمِ، وصاروا يُخفُون ذات الميم في نحو: {مِنم بَعْد} و {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ} كإخفائهم النُّون عند الخمسة عشر. حَصَل هذا في القرن السَّادس الهجريِّ، وما زِلْنا نَلْحَظُ آثارَهُ إلى اليوم في نُطقِ بعضِ القرَّاء.
7 ـ عِلْمُ الفرَّاء بسعة اللُّغة جعَلَته لا يُنكِرُ شيئًا من اللُّغة حتى لو لم يَسْمَعه، قال:"وإن لم تَسْمَعْهُ فلا تُنكِرَنَّهُ إن أتَى" [6] .
وهذا يُبَرِّرُ ما أجازه الكوفيُّون دون البصريِّين من إدغامِ الرَّاء في اللاَّم، والجمعِ بين ساكنَين في وسط الكلمة في نحو: {شَهْر رَّمضَان} في قراءة أبي عمرو، والله أعلم.
(1) معاني القرآن 2/ 301. والقراءتان متواترتان: قرأ بالقصر حفص وحمزة وخلف، وقرأ الباقون بالمدِّ.
(2) معاني القرآن 2/ 353.
(3) معاني القرآن 3/ 172.
(4) نقَل ذلك التعبير عنه السيرافيّ في: ما ذكره الكوفيون من الإدغام ص 67.
(5) انظر: الإقناع لابن الباذش 1/ 179 وما بعدها.
(6) معاني القرآن 2/ 149.