والسلام ـ محيلًا لهم على حقيقة المفلس:"إن المفلس من أمَّتي يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكَل مال هذا، وسفَك دم هذا، وضرَب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنِيَتْ حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِح في النار" [1] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وسَّع معنى الإفلاس من الدِّرهم والدِّينار إلى الإفلاس من الحسنات.
وأَورد ابنُ جني بابًا سمَّاه: (بابٌ في إيراد المعنى المُراد بغير اللَّفظ المعتاد) ذكَر فيه أن هذا مَوضِعٌ استعملَته العربُ، واتَّبعَتها فيه العلماء. والسَّبَب في هذا الاتساع أن"المعنى المرادَ مُفادٌ من المَوضِعَين جميعًا، فلمَّا آذنا به وأدَّيا إليه سامَحوا أنفسَهم في العبارة عنه؛ إذ المعاني عندهم أشرف من الألفاظ" [2] .
وضرَب ابنُ جنيٍّ أمثلةً على ذلك من المصطلحات، فقال:"وكما يعبِّرون بالفتح عن النصب، وبالنصْب عن الفتح، وبالجزم عن الوقف، وبالوقف عن الجزْم. كلُّ ذلك لأنه أمرٌ قد عُرِف غرضُه والمعنى المعنيُّ به" [3] .
واشترَطَ المتقدِّمون وجودَ القرينةِ والدَّليلِ لمعرفةِ هذا التحوُّل الدَّلاليّ، فتَحوِيلُ الدَّلالةِ عن المعنى الأصليِّ لا بدَّ له من دليل أو قرينة تدلُّ عليه، قال ابن حزم:"المجاز: هو في اللُّغة ما سُلِك عليه من مكان إلى مكان، وهو الطريق المُوصِل بين الأماكن، ثم استُعمِل فيما نُقِل عن موضِعه في اللُّغة إلى معنىً آخَر، ولا يُعلَم ذلك إلا من دليلٍ من اتفاقٍ أو مشاهَدة" [4] .
وقد نبَّه المتقدِّمون إلى أنَّ التحوّلَ الدَّلاليَّ يَجعل من اللُّغة سلسلةً من المواضَعات، حتى لربَّما يُنسي أصل الاستعمال، وفي ذلك يقولُ السُّهيليّ:"رُبَّ مَجازٍ كَثُر واستُعمِل حتى نُسِي أصلُه وتُرِكت حقيقتُه" [5] .
ويمكنُ تمثيل ذلك على الرسم، حيث توضَعُ الألفاظ المعجمية التي استُعْمِلَتْ وقْتَ نزول القرآن الكريم، وسجَّلها اللُّغويون في معاجمهم ضِمنَ دائرةٍ نَعدُّها بمثابة نواة للغة، ثم نضعُ دائرةً أكبرَ منها تُحيط بها تكون بمثابة التحوُّل الدلاليِّ الذي يحصل لألفاظ اللغة الأمّ على خطِّ الزمن، نتيجة عوامل متعددة منها: التيسير، وكثرةُ الاستعمال، وازديادُ المعرفة، والحاجة والاضطرار، والتغيّرات الحياتية، غير أنَّ هذه الدائرة مهما اتَّسعت فإنَّها في الغالب تَرتبطُ برابطٍ دلاليٍّ دقيقٍ مع الألفاظ المعجميَّة الأولى في نواةِ اللُّغة.
وممَّا نبَّه عليه المتقدِّمون أيضًا أنَّ وَضْعَ المصطلحِ العلميِّ يكونُ باختراعِ ألفاظٍ لم تُستعمل قبل ذلك، أو بتحويل الدَّلالة من ألفاظٍ استُعمِلت في معنىً إلى معنى آخَر طارئٍ عليها، فبَعْد أن يُتِمَّ العالمُ جمعَ المادَّة العلميَّة، ويضمَّ النظير إلى النظير، ويَصِلَ إلى قوانين ذلك وضوابطِه تكونُ الحاجةُ ماسّةً إلى ألفاظٍ تعبِّر
(1) صحيح مسلم: كتاب البرّ، 4/ 1997، رقم الحديث (2581) .
(2) الخصائص 2/ 466.
(3) الخصائص 2/ 469.
(4) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 47.
(5) نتائج الفكر ص 292.