وهذا الانعكاسُ سببُه ملاسة سطح المعادن والجدران فالصَّوت ينعكسُ ولا يُمْتَصُّ. وتقدَّم الحديث عن ذلك في ظاهرة انعكاس الصَّوت.
وشبَّه أبو العلاء الهمَذانيُّ الرَّنين الأنفيَّ المتمثِّل في صوتِ الغُنَّةَ بالطنينِ، قال:"وإنَّما سمِّيَ هذا الصَّوتُ غُنَّةً لِجَرْيِه مع النُّونِ والميمِ بعد لُزُومِ اللِّسانِ موضِعَهما، يدلُّك على ذلك أنَّك لو أمسكْتَ بأنفِكَ عند النُّطقِ بهما لانحَصَرَ الصَّوتُ فيهما كالطنين؛ لأنَّ الخيشومَ مركَّبٌ فوق الغار الأعلى، وإليه سُمُوُّ هذا الصَّوت" [1] .
3 ـ المعنى الثالث لـ: (الطَّنينُ، التَّطْنِينُ) = عيب من عيوب الأداء في النُّون:
عدَّ أبو جعفرٍ السعيديُّ: (تطْنِين النُّونات) من اللّحن الخفيِّ [2] ، ونبَّه إلى الاحترازِ منها، قال:"ويُتَجَنَّبُ من تَغْلِيظ النُّون وتَطْنِينِها فتَصيرَ مثلَ الحرفِ المُطبَقِ، نحو: {الناس} ، و {النَّار} ، و {النَّهار} وما أشبهها" [3] .
ولم يُبيِّين لنا السَّعيديُّ المقصودَ بهذا المصطلح.
ونقَل عبارتَه القرطبيُّ في الموضعَين [4] غير أنَّه بيَّن المقصود من الطنين في النُّون، بقوله:"ويَنبَغِي أن يُجتنَبَ فيها الطنينُ، وهو أن يُلحَقَ بها إذا سكَنَتْ وأُظهِرَتْ صَوْتٌ يُضاهِي صَوتَ الصَّنْجَةِ تُلْقَى في الطَّسْت" [5] .
وأغلبُ الظنِّ أنَّهم يقصدون بهذا المصطلح النَّهيَ عن التلوينِ الصَّوتيِّ في الغُنَّة، أي الانتقال من طبقة صوتيَّة إلى أخرى أثناء التلفُّظ بالنُّون والميم الساكنتَين والمشدَّدتين. والغُنة كحروف المدِّ في الجريان فكما نُهِيَ عن تغيير طبقة الصوت في المدَّات، معبِّرين عن ذلك الفعلِ بـ: (ترقيصِ أو ترعيد المدَّات) نُهِي كذلك عن ترقيصِ وترعيد الغُنَّة، وعبَّروا عن ذلك بـ: (الطَّنين والتطنين) ، والله أعلم.
4 ـ المصطلح الرابع لانعكاس الصَّوت وتضاعفه: (المجاوبات)
يدلُّ أصلُهُ اللُّغويُّ على المُراجَعَةِ، يقال: كَلَّمَهُ فأجابَهُ جَوابًا، وقد تَجَاوَبا مُجَاوَبَةً [6] .
استَعمله عددٌ من العلماء للتعبير عن انعكاس الصَّوت، منهم: ابنُ الطحَّان الموسيقيّ [7] ، وابن رشدٍ [8] .
(1) التمهيد ص 282.
(2) التنبيه على اللحن الجلي والخفيّ ص 28.
(3) التنبيه على اللحن الجلي والخفيّ ص 42.
(4) الموضح ص 60 و 160.
(5) الموضح ص 120 - 121. والطَّستُ: إناءٌ كبيرٌ مستديرٌ من معدنٍ أو غيره يُغسَلُ فيه. والصَّنجُ: صفيحة مدَوَّرة من النُّحاس تُضرَبُ على أخرى مثلِها، ويُقالُ لِمَا يُجْعَلُ في إطار الدُّفِّ من النُّحاسِ المُدَوَّرِ صِغارًا: صُنوجٌ. (المصباح المنير ص 348) .
(6) مقاييس اللغة ص 212 (ج و ب) .
(7) حاوي الفنون ص 69.
(8) تلخيص كتاب النفس ص 79.