المعنى الثالث: التقريب = القوةُ الضَّاغطةُ من أحد الجِسْمَين على الآخَر لإحداثِ الصَّوت:
استَعمَل ابن سينا: (التقريب) كجزءٍ أساسيٍّ في تعريفِ: (القَرْع) ، فقال:"القَرْعُ: هو تقريبُ جِرْمٍ مَّا إلى جِرْمٍ مقاوِمٍ له لمُزَاحمَتِه؛ تقريبًا تَتْبَعُهُ مُمَاسَّةٌ عنيفةٌ لسُرْعةِ حركةِ التقريب وقوَّتِها" [1] .
واستَعمله أيضًا كقوَّةٍ ضاغطَةٍ من اللِّسان على سطحِ الحنكِ في وَصْفِ خروجِ الشِّين الزائيَّة، قال:"ومِن ذلك شينٌ زائيَّةٌ تُسمَعُ في الفارسيَّةِ عند قولِهم:"زرف"، وهي شينٌ تَحْدُثُ عن تقريبِ اللِّسان مِن سَطْحِ الشَّجْر ..." [2] .
المعنى الرَّابع: التقريبُ = التَّيسيرُ:
استَعمل بعضُ العلماء هذا اللَّفظ بمعنى التيسير على المتعلِّم، فهناك سياسةٌ وأسلوبٌ يَستَعمِلُهُما المُعلِّمُ بغرض التَّيسير على المُتَعَلِّم المبتدئ، وإفهامِه أحكامَ الأداء. فالمُعَلِّمِون رُبَّما بَالَغوا في بعض الأحكام، أو نَهَوا عن بعضِها، أو وضَعوا مقاييس تقديريَّةً حقُّها أن تؤخَذَ مشافهةً، كلُّ ذلك بغرَض التبسيط على المتعلِّمين المبتدئين حتى تَرْتاضَ ألسنتُهم، فإذا ارتاضَتْ رَدُّوهم إلى الوجهِ الأكملِ والأمثَل.
فمن أمثلةِ ذلك تقديرُ زمنِ المدِّ بالألِفات ـ وفي عصرِنا بالحرَكات ـ بغرَضِ التقريب؛ لأنَّ هذا الزَّمن يؤخَذُ تلقِّيًا، ويَصْعُبُ على المبتدئ ضبطُ ذلك في أوَّل الأمْر، فوضَعوا تلك المقاييس لذلك، قال طاهرُ بن غَلْبونٍ:"ولعلَّ بعضَ مَن غَلُظَ طَبْعُهُ وقلَّ عِلْمُهُ أن يُنكِرَ علينا هذا التقديرَ في المدِّ بمدِّ الألفات وبعضِها ... وليس هذا بنكير؛ لأنَّا إنَّما قَصَدْنا به التحقيقَ في المدِّ، لئلاَّ يُتجاوَزَ به حدُّه في المدِّ، والتقريبَ على مستعمِلِه، ولم نَبتَدِع ذلك؛ لأنَّهُ قد سبَقَنا إليه أبو الطاهر وغيرُه من العلماء الذين عليهم المُعتَمَدُ في تحصيلِ الدِّراية وصحَّة الرِّواية" [3] .
وهذا النصُّ يدلُّ على أنَّ الزمنَ الذي اختُرِع فيه تقديرُ المدِّ بالألفات هو القرنُ الرَّابع الهجريّ.
ومِن حسنِ السِّياسة في التعليم ما ذكَرهُ مكيُّ بن أبي طالبٍ القيسيُّ عن بعضِ مشايخِهِ، قولَه:"كُنَّا نُمِيلُ أكثرَ اللَّفظِ في القرآن قبلَ مجيء الأنطاكيِّ [4] ، فلمَّا وصَلَ ورأى ذلك منَّا أمَرَنا أن نُفَخِّمَ [5] كُلَّ مَا كُنَّا نُمِيلُهُ، فمَا زِلْنا كذلكَ حتى رجَعَتْ ألسِنتُنا إلى التَّفْخيمِ، فلمَّا استَقَمْنا على التفخيمِ رَدَّنَا إلى التوسُّطِ من اللَّفظِ."
(1) أسباب حدوث الحروف ص 57.
(2) أسباب حدوث الحروف ص 129.
(3) التذكرة 1/ 176 - 177.
(4) هو محمَّد بن الحسن بن عليّ، أبو طاهر الأنطاكيُّ، إمامٌ كبيرٌ ومقرئٌ شهير، أخَذَ القراءةَ عَرْضًا عن إبراهيم بن عبد الرزَّاق، وهو من جلَّة أصحابِه. روَى القراءةَ عنه عَرْضًا عليُّ بن داود الدارانيُّ، وسماعًا: أبو الطيِّب بن غَلْبون ـ وأظنُّه المقصود من النصِّ؛ لأنَّ جلَّ روايات مكيٍّ عنه ـ قال الدانيُّ: خرَجَ من مصرَ إلى الشام فتوفِّيَ في مُنصرَفِه قبل سنة ثمانين وثلاثمائة. (غاية النهاية 2/ 118) .
(5) التفخيم هنا بمعنى الفتح ضدّ الإمالة.