أما إذا كانَ العالِمُ يَخْلِطُ آراءَ المدرسَتَينِ من غَير تغليبٍ، ويَستَعْمِلُ مصطلَحاتِ الفريقَينِ بلا ترجيحٍ، فهذا الذي يَخْلِطُ فعلًا بين المذهَبَين.
وقد استمرَّ حالُ العلماءِ في مَيْلِهِمْ إلى أحدِ المذهَبَين في كثيرٍ من العصورِ حتى بعْدَ أن فَقَدَتْ كلٌّ من البصرةِ والكوفةِ مكانَتَها العلْمِيةَّ والسِّياسيَّةَ، وانتَقَلَ العلمُ إلى بغداد والقاهرة والأندلس والشَّام، بل ومن المتأخِّرين مَن تَعَصَّب لمذهبٍ مُعيَّن، وبالغ في ردِّ رواية المذهبِ الآخَر، والتشَنيعِ عليه إلى درجةِ الطعنِ في دين علمائِه، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العليِّ العظيم [1] .
وقد لخَّصَ ابنُ ولاَّدٍ الخلافَ بين المذهَب البصريِّ والكوفيِّ بشكلٍ عام، فذكَرَ أنَّ أنماطَ الخلاف تتلخَّصُ في فرعٍ أو عبارةٍ أو مسألةٍ مُركَّبةٍ، وما عدا ذلك فهم متَّفِقُون [2] ، ولذلك لا أرى داعيًا إلى تعميقِ وتهويل الخلاف بين المذهَبَين؛ لأنَّ التبادلَ الثقافيَّ قائمٌ بين المذهَبَين، ولا تجدُ حاجزًا يَمْنَعُ البصريَّ أن يتعلمَّ من الكوفيِّ أو العكس [3] .
ولاحَظْتُ من خلال تتبُّعي لكتب النَّحو والقراءاتِ أنَّ أكثرَ كتبِ النُّحاة قد استأثَرَت بمصطلحات البصرييِّن على حين أن أكثر كتب القراءات العراقيَّة قد استأثرتْ بمصطلحات الكوفييِّن، وقد صَرَّح بذلك ابن الباذش في كتابه حيث يقول:"وتجيءُ عبارةُ القرَّاء على قولِ الكوفيِّين، وهو أكثرُ ما يُوجَدُ لهم" [4] .
وقد يكونُ السَّببُ في ذلك الرَّابطةُ الوثيقةُ بين شُيوخِ الكُوفةِ وشيوخِ القراءة، فابنُ مجاهدٍ يَرْوِي عن ثعلب عن سَلَمَةَ عن أبي الحارثِ عن الكسائيِّ [5] .
وهذا قبل ظهور كتبِ أهل مصر والأندلس كالتذكرة لابن غَلْبون وكتب مكيّ والدانيّ وابن الباذش التي تعتمدُ في غالب أحكامِها وتعليلاتِها على علم البصريِّين وخاصةً عِلْم سيبويه والأخفش والمبرِّد وأبي عليٍّ الفارسيّ وتلميذه ابن جنيّ.
(1) انظر تشنيع النحاس على الفرَّاء في إعراب القرآن 1/ 364، و 1/ 458 و 3/ 60 و 4/ 166. ومن خلال قراءتي لإعراب القرآن للنحَّاس تبيَّن لي أنَّ أكثرَ المواضع التي تتبَّع النحَّاسُ فيها الكوفييِّن إنَّما تتبَّعَها مِن قبلِهِ شيخُه الزجَّاجُ في معاني القرآن وإعرابه فحَذا النحَّاسُ حَذْوَه.
(2) الانتصار لسيبويه على المبرِّد ص 130. وللتوسُّع في معرفة أنماط الخلاف بين البصريين والكوفيين انظر: سيد رزق الطويل: الخلاف بين النحويين ص 27.
(3) لاحظْتُ أنَّ الخلافَ بين المذهبَين هو خلافٌ في الآراء ووجهاتِ النَّظَر، كما يختلفُ العالِمُ مع زميلِه في الرأي، ولا يَمنعُه ذلك من أن يأخُذ من علمه ويستفيدَ منه، على الرُّغم من شُهرةِ أنَّ البصريِّين يَرفُضون الأخذَ عن الكوفيِّين، كما تذكر بعض كتب التراجم (أخبار النحويين البصريين للسيرافيّ ص 71 و أبو الطيِّب اللُّغويّ في مراتب النحويين ص 143) . وقد وُجِدَ من البصريين من نقَل عن الكوفيين كسيبويه في الكتاب 4/ 408، وابن السراج في الأصول 1/ 115، و 1/ 290 و 2/ 235. وتتلمذ ابنِ جنيّ على ابن مِقْسَم، وسؤالُ السيرافيّ عن مذهب أبي طاهر بن أبي هاشم، كما ذكَر الدانيُّ في جامع البيان 3/ 863.
(4) الإقناع 1/ 366.
(5) انظر: التذكرة لابن غلبون 1/ 52.