والذي يُهِمُّنا من ذلك في الجانب الصوتيِّ أنَّ هذا التعدُّدَ كوَّنَ نسيجًا علميًّا رائعًا تمثَّل في ما كتَبَهُ علماءُ التجويدِ والقراءات في مصنَّفاتِهم ابتداءً من القرنِ الخامس، وحتى نهايةِ الفترةِ، وستَكشِفُ مصطلحاتُ البحثِ هذا الأمر.
ومن الملاحَظِ على الكوفيين أنهم لا يُشَنِّعُون على البصريين رأيَهم بخلاف البصريين [1] .
ووجدتُ أنَّ لفظَ: (البغداديّين) عند العلماء المتقدِّمين يُطلَقُ في الغالبِ على الذين تبنَّوا رأي الكوفيِّين لا على الذين خَلَطوا بين المذهبَين [2] .
ونظرًا لأنَّ الخلافَ بين علماء البصريييِّن والكوفييِّن هو الذي انعكَسَتْ آثارُه على مَن جَاءَ بعدَهم، فإنَّني أعرِضُ في عُجالةٍ أبرزَ الفروقِ الصَّوتيَّة بين الفريقَين.
يتركَّزُ الخلاف الصوتيّ بين المذهبَين البصريِّ والكوفيِّ في عدَّة نقاط، من أهمِّها:
1 ـ المُصْطَلَحَات، مِمَّا يدلُّ على ذلك ما ذكَرهُ السيرافيُّ أنَّ الكوفيِّين لم يُلَقِّبُوا الحروف كتلقيبِ سيبويه [3] ، وقولُ الزجَّاجيِّ:"وإنَّما نَذكُرُ هذه الأجوبةَ عن الكوفيِّين، على حسب ما سمِعْنا مِمَّا يَحْتَجُّ به عنهم مَن يَنصُرُ مذهبَهُم من المتأخِّرين، وعلى حسبِ ما في كُتُبِهم إلا أنَّ العبارةَ عن ذلك بغير ألفاظهم، والمعنى واحدٌ؛ لأنَّا لو تَكَلَّفْنا حكايةَ ألفاظِهم بأعيانِها لكان في نقلِ ذلك مَشَقَّةٌ علينا من غيرِ زيادةٍ في الفائدةِ، بل لعلَّ ألفاظَهم لا يَفْهَمُها مَن لم يَنْظُرْ في كتُبِهم."
وكثيرٌ من ألفاظِهم قد هَذَّبَها مَن نَحكي عنه مذهبَ الكوفيِّين، مثل ابن كَيْسان، وابنِ شقير، وابنِ الخَيَّاط، وابن الأنباريّ، فنحنُ إنَّما نَحكي عِللَ الكوفيِّين على ألفاظِ هؤلاء ومَن جَرَى مجراهم، مع أنَّه لا زيادةَ في المعنى عليهم، ولا بَخْسَ حظٍّ يَجِبُ لهم" [4] ."
2 ـ الجمعُ بين ساكِنَين في وسَطِ الكلِمَة: منَعَهُ البصريُّون وأجَازَهُ الكُوفيُّونَ [5] .
3 ـ إدغامُ الرَّاءِ في اللاَّم: منَعَهُ البصريُّون وأجَازَهُ الكُوفيُّونَ [6] ، مع أنَّ أبا عمرو بنِ العَلاء رأسَ المدرسةِ البصريةِ هو الذي رُوِيَ عنه الإدغام في ذلك [7] .
(1) انظر أمثلةً لذلك في: إيضاح الوقف والابتدا لابن الأنباريّ 1/ 417. وانظر التشنيع على الكوفيِّين في حكاية أبي عليٍّ الفارسيّ مع أصحابِ أبي بكرٍ الخياط في الخصائص 3/ 300، ونقد أبي الطيب اللغويِّ للكوفيين في مراتب النحويين ص 51.
(2) انظر: أدب الكاتب ص 365، والمقتضب 1/ 300، والأصول 1/ 289، والمحتسب 1/ 166 و 2/ 166 وقد صرَّح ابن جني بذلك في سر صناعة الإعراب 2/ 549.
(3) ما ذكرَه الكوفيُّون من الإدغام ص 59.
(4) إيضاح علل النَّحو للزجَّاجيّ ص 131 - 132.
(5) انظر: إدغام القراء للسيرافيّ ص 4 و 30 و 37 وما ذكره الكوفيون من الإدغام له ص 83.
(6) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 206.
(7) انظر: إدغام القراء للسيرافيّ ص 40.