التي تَهْتَزُّ بدَورِها ناقلةً هذه النَّبَضات إلى الأذن الدَّاخليَّة، ومن ثمَّ إلى العصَبِ السَّمعيِّ، ثمَّ إلى الدِّماغ حيثُ يتمُّ تفسيرُها" [1] ."
وقد ذكَر الفارابيُّ كيفيَّة انتقالِ الموجات الصَّوتيَّة عبر الهواء حتى تصِل إلى الأذن بمثلِ هذا الذي نَقَلتُهُ من عبارة المعاصِرين، حتى إنَّك لتَتَساءَلُ عن نَوعِ المعرفةِ التي كانت سائدةً في تلك العُصور المتقدِّمة، على الرَّغم من عدمِ وجودِ أيِّ أجهزةٍ قياسيَّةٍ دقيقة، قال عن الصَّوت:"وأمَّا كيفَ يتأدَّى إلى السَّمْعِ، فإنَّ الهواءَ الذي يَنْبُو [يَبْتَعِدُ بسرعةٍ وحرَكَةٍ] مِن المَقْرُوعِ هو الذي يَحمِلُ الصَّوتَ، فيُحَرِّكُ بمِثلِ حركتِهِ الجزءَ الذي يَليهِ، فَيَقْبَلُ الصَّوتَ الذي كان قَبِلَهُ الأوَّلُ، ويُحَرِّكُ الثاني ثالثًا يَلِيهِ فَيَقْبَلُ ما قَبِلَهُ الثاني، والثالثُ رابعًا يَلِيهِ، فَلاَ يَزَالُ هذا التَّداوُلُ مِن واحدٍ إلى واحِدٍ حتَّى يَكُونَ آخِرَ ما يَتَأدَّى إليه هو الهواءُ المَوجُودُ في الصِّماخَينِ. وهواءُ الصِّماخِ مُلاَقٍ للعُضْوِ الذي فيه القُوَّةُ التي بها يُسْمَعُ، فيتأدَّى ذلك إلى القوَّةِ فيَسمعُهُ الإنسان" [2] .
ويبيِّنُ شكل رقم (42) كيفية حدوث الصَّوت بالتضاغط والتخلخل بين الجزيئات وانتقال الموجات الصَّوتيَّة عند قرع شوكة رنانة واهتزاز طَرَفَيها (الشكل الأسفل) ، والشكل الأعلى يمثِّل المنحنى الجيبيّ للموجة الصَّوتية.
اشترَط المتقدِّمون لحدوث أيِّ صوتٍ وجودَ ثلاثةِ أشياء:
1 ـ صادمٍ أو قوَّةٍ ضاغطةٍ، ويشترَطُ فيه: السُّرعةُ في اتجاه المصدوم.
2 ـ مصدومٍ، ويشترَطُ فيه مقاومةُ الصَّادمِ، على أساسِ مبدأَين: القصورِ الذاتيِّ، ومبدَأِ ردِّ الفعل. وتَعتَمِدُ قوَّةُ المقاوَمة وضعفُها على نَوعِية مادَّتَي الجِسْمَين المُتَقَاوِمَين، وعلى نَوْعِيَّة سَطحَيهِما.
3 ـ وَسَطٍ مُنْضَغِطٍ بين الجِسمَين المُتَقَاوِمَين، والمؤهَّلِ لنقلِ المَوْجَة الصَّوْتِيَّة، وقد يكونُ ماءً أو هواءً أو غير ذلك.
ولكلِّ من هذه الثلاثة تفصيلاتُها الكثيرة، ومصطلحاتُها المتعدِّدة.
صَاغَ ابنُ سِينَا هذه الثلاثة الماضية في قانونٍ نستطيعُ تَسمِيَتَهُ: (قانونَ حُدُوثِ الصَّوتِ) ، قال:
"الصَّوتُ يَحْدُثُ من تَمَوُّجِ الجِسْمِ الرَّطْبِ السيَّالِ مُنْضَغِطًا بين جِسْمَينِ مُتَصَاكَّيْنِ مُتَقَاوِمَيْنِ مِن حَيْثُ هُوَ كَذَلك" [3] .
فالجِسْمان المتَصَاكَّان المُتَقَاوِمَان: هما جِسْمَان التَقَيَا وضغَط أحدُهما على الآخَر بعنفٍ، فقاوَم الآخَرُ
(1) الفيزياء للأدباء ص 207 و 216 بتصرُّف.
(2) الموسيقى الكبير ص 214.
(3) الشفاء قسم الطبيعيات الجزء السادس الخاص بالنفس ص 74 - 75.