فهرس الكتاب
الجهة الرابعة للاستعلاء والاستفال: الارتباط بالقيمة التفخيمية:
الخلاصةُ من كلِّ ما سبق أنَّ الاستعلاءَ يَرتَبِطُ ضرورةً بالقيمة التفخيمية التي تأخذها هذه الأصوات، فهو يَقرُبُ من أن يكون صفةً مرادفةً للتفخيم، لكنَّه يَفترِقُ عنه في أنَّه تفخيمٌ ملازمٌ لحروفه لا ينفكُّ عنها في الفتح والضمِّ والكسرِ، وهذا ما جَعَلَ سيبويه لا يَعُدُّ الرَّاء من الحروف المستعلِية لمفارقتها التفخيم في بعض الحالات، قال:"فإنَّما شُبِّهت الراءُ بالقاف، وليس في الرَّاء استعلاءٌ" [1] . وأيضًا لأنَّ تأثير الرَّاء إنَّما هو من جهة تكريرها فكأنَّ الراء المفتوحة والمضمومة براءَين مفتوحتَين ومضمومتَين، كما أنَّ الراء المكسورة بكسرتَين، فاختلف تأثيرها في الإمالة تبعًا لهذه الحالات [2] .
كما أنَّ سيبويه لاحَظ قُرب مخرج الرَّاء من الياء الذي هو مخرجٌ للكسرة فباعدَها بذلك من المستعلية، قال عن إمالة ألف (الكافرين) :"لمَّا بعدتْ [الراء] وصار بينها وبين الألف حرفٌ لم تَقوَ قوَّةَ المستعلِية؛ لأنَّها مِن مَوضعِ اللامِ وقريبةٌ من الياء. ألا ترى أنَّ الألْثغَ يجعلُها ياءً، فلمَّا كانت كذلك عمِلت الكسرةُ عمَلَها إذ لم يكُن بعدَها راءٌ" [3] .
وكذلك الكافُ فإنَّها وإن كانت مع القاف في المخرج نفسه من حيث أقصى اللسان مع الحنك، إلا أنَّها فارقت القاف باستفالِها إلى الفم، وتصَعُّد القاف إلى الحنك الأعلى، أعني من حيث القيمة التفخيميَّة [4] .
ويُمثِّل شكل رقم (61) الفرق في اتجاه الصوت بين مستعل ومستفل من مخرجٍ واحد، أعني القاف والكاف. لاحِظ تقعُّر وسط اللِّسان والتضييق في الحلق الذي أنتج ذلك الأثر التفخيميّ في القاف، وانظر عكس ذلك في الكاف.
وقد بيَّن القرطبيُّ العلاقة بين الاستعلاء والإطباق والتفخيم والترقيق في نصٍّ نفيسٍ جدًا، قال:""
(1) الكتاب 4/ 137
(2) الكتاب 4/ 136.
(3) الكتاب 4/ 137.
(4) الكتاب 4/ 479 - 480. وانظر فيه استعماله للفظ: التصعُّد للقاف والصاد، والانحدار للكاف.