وقد تقدَّم في ذَلَقِ اللِّسان أنَّ لفظ: (الحروف الذُّلْق) من المشترك اللَّفظيّ، استَعمله الخليلُ للحروف الستَّة نسبةً إلى الذَّلاقة في المنطق، وأَطلقَه أيضًا على اللام والنون والراء نسبةً إلى مخرجها، وهو ذَلَقُ اللِّسان.
قال الخليلُ:"وإنَّما سُمِّيَتْ هذه الحروفُ ذُلْقًا؛ لأنَّ الذَّلاقَةَ في المنطقِ إنَّما هي بطرَفِ أسلةِ اللِّسان والشَّفَتَين، وهما مَدْرَجَتا هذه الأحرُفِ الستَّة ... فلمَّا ذلَقَت الحروفُ السِّتَّةُ، ومَذَل بهنَّ اللِّسانُ وسهُلَت عليه في المنطق كثُرَت في أبنية الكلام، فليس شيءٌ مِن بناء الخُماسيِّ التامِّ يَعْرَى مِنْها أو مِن بَعضِها" [1] .
وكشَف الخليلُ عن سرِّ هذه الحروف في أنَّ أيَّ كلمةٍ عربيَّة رباعية أو خماسيَّة لا بدَّ أن يوجدَ فيها أحد الحروف الذُّلْق أو أكثر، قال:"فإن وَرَدَتْ عليك كلمةٌ رباعية أو خماسية معرّاةٌ من حروف الذَّلَق أو الشفوية، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرفٌ واحدٌ أو اثنان أو فوق ذلك فاعلم أن تلك الكلمة مُحدَثة مبتدَعة ليست من كلام العرب؛ لأنَّك لست واجدًا من كلام العرب كلمةً واحدة رباعية أو خماسية إلا وفيها من حروف الذلَق والشفوية واحدٌ أو اثنان أو أكثر" [2] .
وفي هذا توجيهٌ خفيٌّ إلى معرِّبي ومترجمي الألفاظ والمصطلحات الأجنبية أن يُرَاعوا في وضع ألفاظهم المعَرَّبة خصائصَ هذه الحروف.
2 ـ المرتبة الثانية في التأليف:
الحروف التي تَمتدُّ من مخرج الشين إلى مخرج التاء: (ت د ط، ص س ز، ظ ذ ث، ض ش) .
هذه الحروف مرتبطةٌ بسَطْحِ اللِّسانِ وانبساطه على سائر الحنك، ومن هنا اختلفَتْ ـ في رأي الخليل ـ عن اللام والنون والراء، ومنَعَها هذا الانبساط من التحرُّر والذَّلاقة في المنطق [3] .
انتقى الخليل من هذه المجموعة حرفَين هما الدَّالُ والسِّين، ذكَر أنَّهما يُحسِّنان البناء، وبيَّن علَّةَ اختيارهما [4] .
3 ـ 4 المرتبة الثالثة والرابعة في التأليف:
وهي الحروف الحلقيَّة: (ع ح هـ غ خ) [5] ، وهذه"أقلُّ الحروف تألُّفًا بلا فَصْلٍ" [6] .
(1) العين 1/ 52.
(2) العين 1/ 52.
(3) العين 1/ 52.
(4) العين 1/ 53.
(5) العين 1/ 52.
(6) سر صناعة الإعراب 2/ 812.