فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 832

الوقفِ عليهنَّ أبينُ منه في الوصْلِ بهنَّ" [1] . وقال ابن شريح في كتابه (نهاية الإتقان في تجويد القرآن) عند حديثه عن القلقلة:"وهي متوسِّطة كباء: {الأبْواب} و جيم: {النَّجْدَين} ... ومتطرِّفة كباء: {لم يَتُبْ} ... فالقلقلةُ هنا أبينُ في الوقف في المتطرِّفة من التوسُّطِ، انتهى" [2] ."

وهو ما وضَّحَهُ ابنُ جنيٍّ من قبلهما حين ذكَر أنَّ صوتَ السَّاكِنِ في الوصلِ يَكونُ ناقصًا عمَّا عليه في الوقفِ، قال:"وسببُ ذلك عندي أنَّكَ إذا وقَفتَ عليهِ ولم تتَطاولْ إلى النُّطقِ بحرفٍ آخَرَ مِن بعدِهِ تَلَبَّثْتَ عليه، ولم تُسْرِعِ الانتقالَ عنه، فقَدَرْتَ بتلك اللُّبْثَةِ على إتباعِ ذلك الصَّوتِ إيَّاهُ. فأمَّا إذا تأهَّبْتَ للنُّطقِ بما بعدهُ، وتَهَيَّأتَ لهُ، ونَشَّمْتَ فيه، فقد حالَ ذلك بينَكَ وبين الوقْفَةِ التي يُتَمَكَّنُ فيها من إشباعِ ذلك الصُّوَيت، فَيَسْتَهْلِكُ إدراجُكَ إيَّاهُ طرَفًا من الصَّوْتِ الذي كان الوقفُ يُقِرُّهُ عليه، ويُسَوِّغُ إمدادَكَ إيَّاه" [3] .

بل إنَّ ابن جنيّ تَمَيَّز أكثرَ من ذلك فجعَل ثلاث درجاتٍ للصوتِ المتمِّم، بين ذهابه بالكلِّية في حال التحرُّكِ، وبين بقائه بالكلِّية في حال الوقف، وبين بقاء بعضِه عند سكونه في حال الوصل، وجعَل هذا الأخيرَ في بقاء الصَّوت المتمِّم كأنَّه لا ساكن ولا متحرِّك، وسأسوق نصَّ ابنِ جنيّ على طوله لما له من قيمةٍ علميَّة:

قال ابن جنيّ:"ألا ترى أنَّ الحركةَ تَنتَقِصُهُ ما يَتبَعُهُ من ذلك الصُّوَيت، نحو قولك: صَبَر وسَلِمَ، فحركةُ الحرف تَسْلُبُهُ الصَّوتَ الذي يُسعِفُه الوقفُ به، كما أنَّ تأهُّبَك للنُّطقِ بما بعْدَه يَستَهْلِكُ بعضَه."

فأقوى أحوالِ ذلك الصُّوَيت عندك أن تقِفَ عليه، فتقول: اِصْ.

فإن أنتَ أَدرَجْتَهُ انتَقَصْتَه بَعْدَه، فقلتَ: اِصْبِرْ.

فإن أنتَ حرَّكتَهُ اختَرَمْتَ الصَّوت البتة، وذلك قولك: صَبَرَ.

فحركةُ ذلك الحرفِ تَسْلُبُهُ ذلك الصَّوتَ البتة، والوقوفُ عليه يُمكِّنُه فيه، وإدراجُ الساكنِ يُبقي عليه بعضَه.

فعلِمتَ بذلك مفارقةَ حالِ السَّاكنِ المحشُوِّ به لحالِ أوَّلِ الحرف وآخرِه، فصار السَّاكنُ المتوسِّطُ ـ لِما

(1) الرعاية ص 124.

(2) النشر لابن الجزريّ 1/ 203 - 204. والقراءُ إلى عصرنا الحاضر يَحرصون على الإتيانِ بها وصلًا ووقفًا، قال ابن الجزريّ في التمهيد ص 122:"وقال لي شَخصٌ يَزعُمُ أنَّه إمام عصره: لا تكونُ القلقلة إلاَّ في الوقف. فقلتُ له: سلامًا"اهـ. يُشير إلى قوله تعالى: {وَإذا خاطَبَهمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} .

(3) الخصائص 1/ 57 - 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت