وعلى الرُّغم من اعتماد القرطبيّ على مَن سبقه، وبالأخصّ كتاب الرعاية لمكي والتحديد للدانيّ إلاَّ أن كتابَه جاء مُميَّزًا في كثيرٍ من أبحاثه.
وقد اعتمَد ابن الجزريِّ في بعض أبحاث كتابِه التمهيد على الموضح للقرطبيِّ [1] .
أهمُّ كتبه: الموضح في التجويد.
ومن أهمّ الأعمال الصوتيَّة التي قدَّمها [2] :
1 ـ نَجِدُ للمؤلِّف نظراتٍ عميقةً في فهمِ الظواهر الصَّوتيَّة، فكلامُهُ عن ظواهر المدِّ والتشديد والتليينِ والإظهار والإخفاء جاء واضحًا وعميقًا، وكذلك ذِكْرُه الشوائب الصَّوتيَّة التي تَدْخُل على الحروف بالتجاوُر في التركيب، وتنبيهه إلى ما يَمتنِع منها وما يَجُوز، وهي مِن دقائق عِلم الأصوات اللُّغويَّة، وسيأتي ذِكرُ أمثلة على ذلك.
2 ـ أَوْلَى القرطبيُّ الحركاتِ عنايةً كبيرةً، وهو شيءٌ يكادُ يَنفرِدُ به من بين علماء التجويد حتى وقته، وهو حين يتحدَّثُ عنها كان يَستنِدُ إلى فهمٍ دقيقٍ لهذه الأصوات، وإدراك صحيحٍ للعلاقة بينها، فمِن ذلك قولُه:"فنقولُ: الذي ينبغي أن يَعتمِده القارئُ من ذلك أن يَحفَظَ مقاديرَ الحركات والسكَنات، فلا يُشبِعُ الفتحةَ بحيث تصيرُ ألفًا، ولا الضمَّةَ بحيث تَخرُجُ واوًا، ولا الكسرةُ بحيث تَتَحوَّلُ ياءً، فيكون واضعًا للحرفِ مَوضِع الحركة، ولا يُوهِنَها ويَختلِسَها ويُبالِغَ فيَضعُفَ الصَّوتُ عن تأديَتِها ويتلاشى النُّطقُ بها وتَتَحوَّل سكونًا [3] ."
3 ـ أعطى عنايةً خاصةً بالسُّكون، فقال:"وكذلك السُّكونُ ينبغي ألاَّ تَستَوفِيَهُ إشباعًا فيَخرُجَ إلى التشديدِ أو السكوتِ ومساواة حالِ قَطعِ الكلامِ بِوَصْلِهِ، ولا يُزعِجَهُ ويَنفِرَهُ فيصيرَحركةً أو بعضَها، بل يَجْعَلُ الحركاتِ والسَّكَناتِ وزنًا واحدًا وقدرًا معْلومًا وكَيْلًا سواءً، حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ والقُذَّةِ بالقُذَّة" [4] .
4 ـ قدَّم القرطبيُّ عددًا من المصطلحات الصَّوتية أوردها عن شيخِه أبي عليٍّ الأهوازيّ، ولم أجِدْها مجموعةً عند غيره، فقد نَقَلَ عنه روايةً جعَل فيها القراءةَ على عشرة أساليب، قال:"اعلم أنَّ القرآنَ يُقرأ على عشرةِ أضربٍ من القراءة: خمسةٍ منها نَهَى أئمَّةُ القراءةِ عن الإقراء بها، وهي: الترعيدُ، والترقيصُ، والتطريبُ، والتلحينُ، والتحزين، إذ ليس فيها أثرٌ ولا نقلٌ عن أحدٍ مِنَ السَّلَف - رضي الله عنهم - بل ورَد عن بَعْضِهِم أنَّه كَرِه القراءةَ بذلك ... وخمسةٍ منها أجاز الأئمَّةُ الإقراء بها، ونُقِلَتْ عنهم على اختلافٍ فيها، وهي:"
(1) انظر مقدمة محقِّق التمهيد ص 36 - 37. ط مؤسسة الرسالة 1407 هـ - 1986 م.
(2) هذه الأعمال الصوتيَّة أكثرها مستقىً من مقدمة المحقق ص 34.
(3) الموضح 191.
(4) الموضح 191.