المفروض المُنَاظرات ما تكون في الفضائيَّات وأمام العالمين كلّهم , لأنَّ هذا قد يَضُر بالنَّاس ولأنَّ ليس كل من دعا إلى مناظرة أُجيب بدليل ما جاء في الصَّحيحين أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: يا عائشة إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذريهم فأولئك الَّذين سمَّى الله , فالنَّبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: فناظريهم بل قال: فاحذريهم , ولأنَّ الخوارج حين خرجوا وكانوا يَدْعُون إلى المناظرة لم يَنْتَدِب كل أحد يناظرهم , حتَّى عَلِي وهو علي - رضي الله عنه - الَّذي تولَّى قِتَالهم والَّذي روى لنا الأحاديث في قتالهم لم يَنْتَدِب إلى مناظرتهم وإنَّما نَدَبَ ابن عبَّاس , ولم يَنْدُب غيره , لأنَّ ابن عبَّاس عُرِفَ بسعة العلم وهو البحر وعُرف بسرعة الاستحضار , وعُرِفَ بقوَّة القلب أمام الخصم وهذا معروفٌ عنده رضي الله عنه وأرضاه , فانْتَدَبَهُ لمناظرتهم ولم يَنْتَدِب عليًّا - رضي الله عنه - كل رجل من الحاضرين معه ولو كانوا من أهل العلم , إنَّما انْتَدَبَ رجلًا قد توفَّرت فيه هذه الخصال وتوفَّرت فيه هذه الشُّروط فناظرهم ورجع منهم خلق عمَّا قالوا , ولكن العامَّة إذا ما وُجد رجل يكسر شوكة أهل الباطل قد يتأثرون بهذه المناظرة وتَرُوج عليهم هذه البدع.
والدَّليل على هذا: أنَّك ترى العامَّة الَّذي يشاهدون المناظرات يسألون يقولون: ما حكم كذا , وما حكم كذا , وهل هذا الحديث صحيح , وما الجواب عن هذه الشُّبهة؟ إذًا واضح من أسئلتهم أنَّ الشُّبهة قد وقرت في قلوبهم والإنسان لا يسترخص دينه وعقيدته , فهذا ابن عقيل الحنبليّ كما ذكر المترجمون من أذكياء العالم , ومن النَّوادر في الذَّكاء والفطنة , ومع ذلك أراد أن يقرأ على علماء المعتزلة يريد أن يتزوَّد من العلم لأنَّه آتاه الله سعةَ حفظٍ وقوةَ فهم , فأراد أن يتزوَّد من أهل العلم فنصحه أصحابه بعدم القراءة عليهم فإنَّ لهم شُبَهًا