فتبني ثلاثة أدوار وتنهار عليك لأنَّه ما هناك قواعد قويَّة، فالإنسان يضع قواعد أساسيَّة عنده في العلم , ولا تكون القاعدة الأساسيَّة إلَّا بضبط هذه المتون وبالتأصيل العلمي في كل جانب من الأبواب , ولكن هذا يحتاج إلى تَفَرُّغ وإلى اجتهاد كما قال الزُّهريّ رحمه الله: العِلْمُ تُعْطِيْهُ كُلَّك يُعْطِيْكَ بَعْضهُ.
فكيف بالذي يُعطي العلم على وقت الفراغ ويريد أن يكون عالمًا؟ لو عرضت له رحلة إلى البر لذهب إلى البر , وغدًا لو عرضت له سفرة لسافر , ومرة ثالثة يذهب إلى عزيمة، فمثل هذا ما عنده تَفَرُّغ للعلم، كيف هذا يُحَصِّل العلم؟ , كيف يكون هذا عالمًا؟ , وابن عقيل الحنبلي وقد تجاوز الثمانين يقول: إنَّه لا يَحِلُّ لي أنْ أُضيِّع ساعةً من عمري حتَّى إذا تعطَّل لساني عن مُناظرة ومُذاكرة، وبصري عن مُطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مُسْتَطْرِح فلا أنهض إلَّا وقد خطر لي ما أُسَطِّرُه من العلم , وإنِّي لَأَجِدُ من حرصي على العلم , وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
وهذا ابن الجوزي يصف حالته حين لم يكن عنده كتب يقول: استأجرت مكتبة لفترة معيَّنة ودخلت فيها ولم أخرج حتى قرأت عشرين ألف كتاب , بهذا يحفظون أوقاتهم ولذلك كانوا يضربون أكباد الإبل من بلد إلى بلد يطلبون العلم ويحفظونه , وإذا سمع الواحد منهم بحديث رحل إليه بل إذا اشكلت على واحد منهم مسألة رحل للفقه في هذه المسألة.
فهذا الإمام سعيد ابن جُبَير في العراق سُئل: هل يُفرَّق بين المُتَلَاعِنَيْن؟ فما درى ما يقول , فرحل إلى مكَّة وكان ابن عمر آنذاك في مكَّة، فرحل إلى ابن عمر يسأله , وأخبره بالحديث المتَّفق على صحته أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينهما ,