أمَّا إذا قُلنَا: أنَّ العِلْمَ واجب ومتعيِّن لِمَا آتاه الله من الفَهْم ومن الحِفْظ ثُمَّ مَنَعَهُ والِدُه، فَيَتعَارَض عنده واجبان: واجبٌ عَينِيّ على القَول بالتَّفصِيل الماضي , وواجبٌ عَينِيّ آخر وهو بِرُّ الوَالِدَيْن , فَلابُدّ من التَّرجِيح بين هذا وهذا , وطالب العلم لابُدّ أنْ يُعطِي العِلْم كُلَّ وقته كما قال الزُّهرِيّ رحمه الله تعالى: العِلْم تُعْطِيه كُلَّك يُعْطِيكَ بَعْضَه , أنت حين تبذل كُلّ جُهدك في العِلْم، العَلْم ما يُعطِيك كُلّه، فَكَيفَ بمن أعطى العلم بعضَ الوَقْت لابُدّ أنْ تُعطِي العلم الوقت كله لأنَّ العِلْم عِبَادة , ومُدَارَسةُ العِلْم بمنزلة التَّسبيح , وطَلَبُ العِلم لِمَن عنده فَهْم وحِفْظ ونِيَّة صالحة يعتبر آكَدُ مِنْ قِيام اللَّيل , وآكَدُ من صِيَام النَّفل , وآكد من صلاة التَّطوُّع , وآكد من الصَّدقة , وآكد مِنْ كلِّ النَّوافل , لأنَّ نفع العلم متعدِّي , وهذه العِبَادات نفعها لصاحبها , وما كان نَفعُه متعدِّيًا فإنَّه يكون آكد من غيره , والعُلمَاء هُمْ سادةُ النَّاس وهم الذين يقومون مقام الأنبياء , ويَجِبُ عليهم من البيان مِثْلُ ما وَجَبَ على الأنبياء.
وكما قال الحسن البصريّ رحمه الله: لولا العلماء لكان النَّاس مثل البهائم.
وكما قال سَعِيد بن جُبَير رَحِمَه الله: مَوتُ العالِم ثَلْمَةٌ فِي الإِسْلام لا يَسُدُّها شيءٌ ما اختلف اللَّيل والنَّهار.
وفي الصَّحِيحَين من حديث هِشَام بن عُرْوَة , عن أبيه , عن عبد الله بن عمرو بن العاص , أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَال , وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بَقَبْضِ العُلَمَاء حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» .