السبب الثاني لشرعيتها: أنها طعمة للمساكين؛ يقول في الحديث:"أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"يوم العيد يوم فرح وسرور، والناس يظهرون فيه بالفرح، ويهنئ بعضهم بعضا.
فلذلك يكون من الذلة أن يذل الإنسان نفسه؛ يتكفف الناس في ذلك اليوم، إذا لم يكن عنده ما يقوت به نفسه، ويقوت به عياله، فلذلك شرعت هذه الفطرة؛ طهرة للصائم، وطعمة للمساكين.
وتجب على كل مسلم، ولا تجب على كافر، ثم لا تجب عليه إلا إذا فضل عن قوته، وقوت عياله يوم العيد وليلته، صاع أو أكثر. فلا بد أن يبدأ بنفسه؛ ورد في الحديث:"ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول""ابدأ بنفسك، وتصدق عليها".
ابدأ بنفسك، فيبدأ بنفسه؛ يترك لنفسه طعامه، وطعام عياله يوم العيد وليلة العيد، وكذلك -أيضا- ما يسد حاجتهم وحوائجهم الأصلية، يعني: من كسوة -مثلا-، وأوانٍ، وحاجيات، يعني: الأشياء التي هم بحاجة إليها، فيقدم حاجته"وكفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت"أو"أن يحبس عن من يملك قوته".
فإذا عجز عنهم بدأ بنفسه، فإن فضل شيء فلزوجته، فإن فضل بعدها فلأمه، ثم أبيه، ثم أولاده؛ الأكبر، فالأكبر، ثم من ينفق عليهم؛ كخادم، أو نحوه، وقيل: إن الخادم يقدم على الأولاد، وذلك لأنه يقول: أطعمني لوجه الله، أعتقني.
أما الجنين الذي في بطن أمه فلا تجب عليه، ولكن تسن عنه، يعني: سنة مؤكدة، ولو -مثلا- ولدته قبل غروب الشمس بدقيقة وجبت عليه، فإن ولد في ليلة العيد فلا تجب، يعني: بعد غروب الشمس حينما تسن.
ولا تجب عن الكافر، إذا كان عنده خادم كافر -يعني: مملوك-، فلا تجب عليه؛ لأنها طهرة، والكافر ليس أهلا للتفضيل، فإن أسلم قبل غروب الشمس بدقيقة، وجب أن يخرج عنه، وإن أسلم بعدها -بعد غروب الشمس: لم يجب، وكذلك لو اشترى عبدا قبل غروب الشمس بدقيقة فعليه فطرته، وبعد غروب الشمس لا تلزمه، إنما تلزم الذي باعه.
وقت وجوبها:
غروب الشمس؛ غروب شمس ليلة الفطر، يعني: آخر ليلة من رمضان، هذا وقت الوجوب.
يجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو بيومين، وذلك لأنه قد يشق على الناس تفريقها في ليلة واحدة، فلذلك رخص بأن يقدمها قبل العيد بيوم أو بيومين، ولأن العادة أنها إذا جاءت إلى الفقير قبل العيد بيوم أو بيومين يبقى بعضها إلى يوم العيد، يبقى عنده ما يسد حاجته يوم العيد ويكفيه.
أفضل إخراجها: يوم العيد قبل الصلاة، أي: صباح العيد، قبل الصلاة، ولو أن تصل إلى أهلها إلا بعد الصلاة؛ فمثلا إذا أُخرجت إلى الجمعيات -مثلا- صباح العيد، جمعت عند الجمعية، ولو بلغت عشرين كيسا أو مائة كيس، فالجمعية يفرقونها في ذلك اليوم، أو بعده بيوم، أو بعدة أيام، صاحبها أخرجها قبل الصلاة، فإن لم يتيسر له إخراجها قبل صلاة العيد أخرجها ولو في ذلك اليوم مجزئة عنه، فإن فات يوم العيد كله فإنها لا تسقط، بل يقضيها، يبادر بقضائها متى انتبه لذلك، أو عرف.
فلو وكل من يخرجها ليلة العيد، فنسي الوكيل، ولم يعلم أنه لم يخرج إلا بعد العيد بيوم أو بيومين فإنها لا تسقط، يقضيها؛ لأن عرفنا أنها فريضة، تجزئ في باقي العيد مع الكراهة. يحرم تأخيرها بلا عذر عن يوم العيد، يقضيها وجوبا إذا فات وقتها ما تسقط.
مقدارها:
صاع من بر، أو صاع من شعير، أو سويقهما، أو دقيقهما، أو تمر، أو زبيب، أو أقط؛ هذه هي الأصول الخمسة التي وردت في الأحاديث.
فكانت في القوت المعتاد في ذلك الزمان؛ الناس غالب قوتهم تمر، أو بر، أو شعير، والزبيب وإن كانت قليلا، والأقط بالنسبة للبوادي كثير يقتاتونه، فجاءت الأحاديث لإخراجها من هذه الخمسة في حديث أبي سعيد:"فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاع من أقط"فسر الطعام: أنه البر، وكذلك أيضا وجد الحديث عن ابن عمر يقول:"عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين"هكذا ... + مالك"من المسلمين"فيدل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر، ولو كان صاحبها هو مالك وهو يتفق عليها؛ لأنها طهرة وهو ليس أهل للطهرة.