فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 722

فإذا أهدى إليه عرف أنه يحبه، وأنه يود له الخير؛ فعند ذلك تثبت المودة، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ويثيب عليها"كان يأكل من الهدية ولا يأكل من الصدقة"الصدقات والزكوات ونحوها يقول:"إنها لا تحل لآل محمد"وأما الهدية فإنه كان يقبلها ويثيب عليها.

تصح الهدية ولو شيئا يسيرا. إذا أهديت لصاحبك شيئا يسيرا: ككتاب -مثلا- أو فاكهة أو كسوة أو شيء مما يطعم، أو يفرح به أو يستعمل، ولو شيئا يسيرا: كقلم أو قرطاس أو دفتر -فإن ذلك مما يحسن استعماله بين الإخوة. فلذلك جعلوا باب الهدية.

"و تصح هبة المصاحف". عندهم أن المصحف لا يباع، ولكن يهدى. والصحيح: أنه يجوز بيعه. وإذا كان كذلك، فإن له ثمن، وإذا كان له ثمن، فإنه يصح بيعه ويصح هديته. ويصح إهداء كل ما يباع، أو كل ما ينتفع به. وإن لم يكن مما يباع، يعني: ككلب صيد، أو جلد ميتة بعد الدبغ، يعني: الأشياء التي فيها منفعة، إذا باعها وصار لها ثمن، أو أهداها؛ فإن ذلك مما يحصل به المحبة والمودة بين الإخوة.

وهل لها صيغة؟ تصح بكل قول أو فعل يدل عليها. فإذا أهدى إليك -مثلا- ثوبا أو ساعة، وقال: خذ هذا أو هذا تبرع مني أو أهديتك أو وهبتك أو ما أشبه ذلك -كان ذلك جائزا. وكذلك لو أشار إشارة، عندما مد إليك كتابا فهمت من إشارته أنه هدية بدون عوض، فإنك تقبله، ويصير هدية.

فتصح بكل قول أو بكل فعل يدل عليها. فالقول مثل: وهبتك، أهديتك، أعطيتك، خذ منى هذا، تبرعت لك بهذا، أو ما أشبه ذلك. والفعل: هو أن يمده بيده، أو يشير إليك لتأخذه. إذا وضعه على طاولة، أو على الأرض، وأشار إليك، وفهمت من إشارته أنه تبرع، صدق عليه أنه هدية وهبة.

ثم متى تلزم؟ تلزم بقبض المتهب. إذا قبضها الموهوب بإذن الواهب أصبحت لازمة. وقبل ذلك، يصح أن يرجع فيها. فلو -مثلا- أنه مد إليك كتابا، ولكن ما قبضته، وضعه على السرير ولم تقبضه أنت، ففي هذه الحال يجوز أن يرجع فيه، لا يكون لازما. فأما إذا قال: خذ هذا الكتاب. وضعه على سريرك أو طاولة، فأخذته -بعد أن قال: خذه- في هذه الحال يصير لازما، ولا يصح الرجوع فيه بعد قبضه.

أما إذا وضعه على السرير أو على الأرض، ولم يقل: خذه، فأخذه صاحب السرير أو صاحب المنزل -فمثل هذا لا يصير هبة ولا يلزم. ولصاحبه أن يقول: أنا ما وهبتك، أنا ما أهديتك، إنما نسختي بيدي، ولا أستغني عنها. فله أن يرجع فيها، لا يلزم إلا بهذين الشرطين: حصول القبض الذي هو أخذه المتهب، وإذن الواهب. إذا قال: خذه، فتصير لازمة.

يقول:"ومن أبرأ غريمه من دينه برئ ولو لم يقبل"؛ لأن الإبراء إسقاط، وإذا أسقطه صار لازما. فإذا قال لك: عندك لي مائة أو ألف، وأنا قد أبرأتك وأسقطته عنك -برئ الغريم، ولو لم يقل: أنا قابل. أو قال لا أرضى، لا أريدها، أنا في غنى، لست بحاجة إلى أن تسامحني، في هذه الحال يكون قد برئ. بمجرد ما يقول: أبرأتك أو أسقطت الدين الذي عليك، أو وهبتك الدين الذي في ذمتك -يسقط، ولو لم يقل المدين: قد قبلت.

وكذلك لو قال: لا أريد أن تسقطه عنى، أو قال لا أحب منتك، ولا أريد أن يكون لأحد علي فضل أو منة. في هذه الحال الواهب برئ عما أعطاه وأسقطه، والمتهب أو المدين له أن يرده، ويقول: أنا ما قبضته، أنا ما أريده، أنا ما أسمح، ولا أريد أن أقبل منك ولا من غيرك شيئا.

ثم هذا الباب جمعوا فيه: الهدية والعطية أو الهبة والعطية وفى آخره -أيضا- ذكروا الوصية: والوصية تأتينا في الفصل الذي بعده -إن شاء الله-. العطية قريب معناها من الهبة ومن الهدية، ولكنها أعم، فيدخل في ذلك: عطية الوالد لأولاده، أو من دونه أو من فوقه.

وكأن الهبة والهدية أخص. فإذا كان عندنا -مثلا- أمير من الأمراء، أو ثري أو رئيس قبيلة، وعندنا إنسان فقير مسكين، فالأمير أو الرئيس إذا سلم هذا الفقير كسوة أو كيسا، فهل تسمى هذه هدية؟ هذه تسمى صدقة منه عليه. لا يريد الأجر منه، وإنما يريد الأجر من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت