وإلى الوجه، وإلى الساعد الذراع، والساق؛ لأن هذا مما يحتاج إليه المرأة مع محارمها كابنها وأبيها لا بد أنها تتبذل، وأنها تخدم، وأنها تبدو له فيشق عليها أن تتحفظ، وأن تتستر.
ومعلوم أيضا أن المسلمين قلوبهم نزيهة، لا يمكن أن تثور شهوته على أمه أو على بنته، أو نحوهما وهو مؤمن، إنما يفعل ذلك من ليس في قلبه إيمان -والعياذ بالله- فينظر إلى ما يظهر غالبا من ذوات محارمه.
نظر الرجل إلى الرجل يجوز فيما يظهر غالبا، يعني ينظر إلى ساقيه وإلى ذراعيه وعضديه وعنقه، ونحو ذلك، ولا يجوز للعاقل أن يتعرى أمام الرجال، ولا أن يظهر بدنه، ولو ستر العورة المغلظة، فإن ذلك مما يقدح في المروءة.
الذين يمشون عراة يلبس أحدهم"تُبانا"يعني سراويل قصيرا يستر به مجرد الفرجين، ويدعي أنه يُحر أو ما أشبه ذلك أو أنه ليس بعورة، ولو كان ذلك ليس بعورة أمام الرجال، ولكنه ينقص المروءة، الرجل يحرص على أن يتستر، وأن يحفظ نفسه، فالله -تعالى- أمر بالتستر في قوله تعالى: {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} الريش: هو اللباس الذي يستر البدن.
وأما المرأة مع النساء هكذا أيضا، لا يجوز لها أن تتبذل أمام النساء، ولا أن تظهر شيئا مما يخفيه اللباس ويستره، يجوز لها أن تبدي وجهها وعنقها، وكذلك أيضا صدرها لإخراج الثديين لإرضاع طفلها عند النساء، أو عند المحارم، وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ساعديها أو ساقيها، فأما ما تستره غالبا كالبطن والظهر والمنكبين، والإبطين والجنبين فمثل هذا مما يعتاد ستره، ولا يجوز التفسق والتعري، ولو لم يكن عندها إلا نساء.
ذكر أنه يحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له، وهي المطلقة.
المعتدة، إما أن تكون بائنا أو رجعية، فإذا كانت رجعية، طلقت واحدة أو اثنتين، فإنها تبقى في بيت زوجها، ولا يحل لأحد أن يخطبها، بل هي في ذمة زوجها، ينفق عليها ويسكنها {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} ولها أن تتكشف أمامه ترغبه في أن يراجعها، هذه رجعية، حرام أن أحدا يخطبها أو يصرح أو يلوح بخطبتها.
وأما المعتدة البائن مثل المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها إلا بعد زوج، وكذلك المتوفى عنها فهي معتدة، وعدتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، أو بوضع الحمل، فهذه لا يحل -أيضا- أن يخطبها تصريحا، يحل أن يعرض لها، التعريض: أن يقول إني في مثلك لراغب أو إني أريد أن أتزوج، أو أتمنى أن يحصل لي زوجة مناسبة، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، وإنما يجوز التعريض بخطبة البائن.
ويحرم أن يخطب على خطبة أخيه المسلم، إذا كان قد أجيب، لأن ذلك يسبب الوحشة بينهما والعداوة، إذا علمت أنه قد أفسد عليك، تقدم إليهم وقد كانوا أجابوك أو ركنوا إليك ثم قدموه لكونه أشبّ -مثلا- أو أغنى أو نحو ذلك، فإن هذا حرام.
بعد ذلك ذكر سُنيّة العقد، العقد يعني عقد الزوجية بين الزوجين، الذي يسمى الآن الملكة يعني التزويج يسن أن يكون يوم جمعة، وأن يكون في المساء، يعني في آخر النهار، رجاء أن يصادفوا ساعة الإجابة؛ لأنه أدعى لهما بالبركة، ويسن أن يخطب بخطبة ابن مسعود التي هي خطبة الحاجة المشهورة، وهي مشهورة بقوله:"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..."إلى آخر ذلك، ثم يقر آيات"ثلاث آيات"من سورة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وأول سورة النساء، وآيتين من آخر سورة الأحزاب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) } .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
"فصل: أركانه: الزوجان الخاليان عن الموانع. وإيجاب بلفظ أنكحت أو زوجت. وقبول بلفظ قبلت أو رضيت فقط، أو مع هذا النكاح أو تزوجتها، ومن جهلهما لم يلزمه تعلم، وكفاهما معناهما الخاص بكل لسان، وشروطه أربعة: تعيين الزوجين ورضاهما، لكن لأب ووصيِّهِ في نكاح تزويج صغير، وبالغ معتوه ومجنونة، وثيب لها دون تسع سنين، وبكر مطلقا، كسيد مع إمائه وعبده الصغير، فلا يزوج باقي الأولياء صغيرة بحال، ولا بنت تسع إلا بإذنها، وهو صمات بكر، ونطق ثيب."
والولي، وشروطه: تكليف وذكورة وحرية، ورشد واتفاق دين، وعدالة، ولو ظاهرا إلا في سلطان وسيد، ويقدم وجوبا أب ثم وصيه فيه، ثم جد لأب وإن علا، ثم ابن وإن نزل، وهكذا على ترتيب الميراث، ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته نسبا، ثم ولاء، ثم السلطان، فإن عضل الأقرب، أو لم يكن أهلا، أو كان مسافرا فوق مسافة قصر، زوج حرةً أبعد، وأمةً حاكم، وشهادة رجلين مكلفين عدلين ولو ظاهرا، سميعين ناطقين، والكفاءة شرط للزومه فيحرم تزويجها بغيره إلا برضاها.
السلام عليكم ورحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
للنكاح أركان وله شروط، ويراد بأركانه: مجموع ما يتكون منه، تعرفون أن أركان الشيء أجزاؤه الذي يتكون منها، يعرفون الركن: ركن الشيء جزء ماهيته، أي جزء منه، كأركان هذا البيت، المسجد يعني حيطانه التي يتكون منها.
نقول مثلا: أركان الإنسان أجزاؤه، فيقال يداه ركن منه، ورجلاه ركن، ورأسه ركن وظهره ركن يعني، يتكون ويتركب من هذه الأجزاء كأركان الصلاة التي تتكون منها، فالقيام جزء من الصلاة، وهو ركن، والركوع جزء.
فكذلك أركان النكاح التي يتكون منها، ويصير من مجموعها نكاح كامل. فذكروا أن أركانه أربعة:-
الزوج: ولا بد أن يكون كامل الرجولة، وخاليا عن الموانع، والزوجة كذلك أيضا، والإيجاب والقبول.
ثم قوله: الزوجان الخاليان من الموانع، عندنا مثلا إذا كان الزوج مَحرما للزوجة فلا يصح؛ لأن هناك مانعا، أو رضيعا لها لم يصح النكاح، أو كان الزوج كافرا والمرأة مسلمة لم يصح النكاح، وذلك لكونه غير كفء لها.
وهكذا الموانع التي لا يصح، ولا ينعقد معها النكاح، وكذلك المرأة يكون فيها موانع؛ كأن تكون ذات زوج، أو تكون معتدة في عدة زوج قد طلقها أو في عدة وفاة، وكذلك كون الزوج عنده أربع قبلها، فكل هذه موانع، لا بد من انتفاء الموانع من الزوج ومن الزوجة، هذان ركنان؛ الزوج ركن، والزوجة ركن، والإيجاب ركن، والقبول ركن.
الإيجاب من الولي، والقبول من الزوج، يشترط بعضهم أن يكون الإيجاب بأحد لفظتين: زوجتك أو أنكحتك، ويقولون: إنها الألفاظ التي وردت في القرآن هي الألفاظ التي ذكرت في القرآن.
ذكر في القرآن قوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} وكذلك ذكر الأزواج {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} وذكر في القرآن النكاح {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وكذلك قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} وقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} و قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} لذلك قالوا: ينطق الولي بأحد هاتين الكلمتين: زوجتك موليتي، أو أنكحتك موليتي.
ولفظ التزويج معناه: اشتقاقه من العدد الشفع، فإن العدد قسمان: شفع ووتر، والشفع يقال له: زوج، سمي هذا زواجا؛ لأن أحد الزوجين قبله كان فردا"كان وترا"، فإذا انضم إليه الزوج الثاني أصبح زوجا، يعني أصبح بدل الوتر زوجا، يعني اثنين؛ ولأجل ذلك كلمة الزوج يطلق على الذكر والأنثى، كما تقول عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجه يعني التي صارت معه زوجا.
ويقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج عائشة، فكلمة زوج تصلح للرجل وللمرأة كل منهما يسمى زوجا، إلا أن أهل الفرائض احتاجوا إلى التمييز فأدخلوا على المرأة تاء التأنيث في قول الناظم:
والثمن للزوجة والزوجات ...
وهو لكل زوجة أو أكثر، وإلا فالأصل أنه موضوع لكل واحد من الزوجين، هذا سبب تسميته زوجا وزواجا، لأنه بانضمامه إلى الآخر يكون زوجا بدل ما كان وترا"فردا".
أما النكاح فالأصل فيه أنه: الانضمام، الضم، تقول العرب: تناكحت الأشجار يعني: انضم بعضها إلى بعض وتلاصقت، إذا امتدت أغصانها ويقال: تناكح العودان على النار يعني انضم أحدهما إلى الآخر حتى كانا أو صح الوقود بهما. تعريف النكاح:
وأما تسمية هذا الزواج نكاحا؛ فلأن الزوج ينضم إلى الزوجة والانضمام هو التناكح هذا هو الأصل من الانضمام، ثم هل المراد بالنكاح العقد أو الوطء؟ يطلق عليهما، وأغلب ما يطلق على العقد، نكح فلان المرأة يعني عقد عليها.
وذكر بعض أهل اللغة أن العرب فرقت بينهما فرقا لطيفا، فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان فالمراد عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو أمته فالمراد وطئها، وكل ما في القرآن من نكح فإنه للعقد إلا في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .
فإن النكاح هنا هو الوطء، ورد ذلك في السنة، هكذا ذكر العلماء في كتب الفقه: أنه لا يصح إلا بلفظ أنكحتك موليتي، أو زوجتك موليتي، بأحد هاتين الكلمتين، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بغيرهما، مما هو معروف عند المتخاطبين، وأجاز ذلك بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره فلو قال مثلا: ملَّكْتك ابنتي، فمعناه أنك تملكها، تملك الاستمتاع بها ما لا يملكه أبوها، فيكون هذا قائما مقام زوجتك؛ لأنه حصل به المقصود؛ حصل به أنه ملكها، وإذا قال وهبتك ابنتي حصل -أيضا- المقصود، أعطيتكها، حصل بذلك المقصود، فهذا هو الأقرب أنه يصح بكل لفظ يدل على المعنى، ويؤدي المراد، أنكحتك، وزوجتك، وملكتك، ووهبتك، وأعطيتك ابنتي، وأملكت لك عليها، أو خليت بينك وبينها، أو خذ ابنتي حلال لك، أو أحللتها لك، أو ما أشبه ذلك.
وأما القبول: فهو من الزوج، اشترطوا أن يقول: قبلت، أو رضيت عبارتين فقط، أو قبلت هذا النكاح، يعني قوله: أو مع هذا النكاح أو مع هذه الجملة، يعني يضيف كلمة"هذا النكاح"بعد"قبلت"قبلت هذا النكاح، رضيت هذا النكاح أو يجمع بينهما، قبلت هذا النكاح ورضيته، أو تزوجتها أو قبلتها، وإذا قلنا: إنه يصح بما دل على المعنى، فيصح إذا قال: وافقت، أو أنا موافق، أو أخذتها، أو استوهبتها، أو ما أشبه ذلك مما يدل على الرضا.
يقول المؤلف:"ومن جهلهما"يعني من جهل كلمة أنكحت أو زوجت، أو كلمة قبلت أو رضيت، وذلك إذا كان لا يعرف اللغة، أو لا يعرف معناها، هل يلزمه أن يتعلمهما، وألا يقول: إلا، قبلت أو رضيت؟ لا يلزم، يكفيه معناهما الخاص بكل لسان؛ ذلك لأن كل قوم، وأهل كل لسان عندهم اصطلاحات يتعارفون بينها بلسانهم.