فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 722

ويوقفوا المنجل -المحش- على من يقطع به النخيل أو السعف أو يحش به لدوابه، يقول: أريد الأجر من إيقاف هذا المنجل، ويوقفون القدور على من يطبخ بها إذا احتاجوا أن يطبخوا فيها، ليس كل أحد يجد قدرًا كبيرًا يطبخ به. إذا نزل به ضيف وأضافه، يسأل: من عنده قدر موقوف؟ فيقولون: عند فلان فيذهب ليطبخ فيه. الذين سبلوه يريدون بذلك الأجر حيث إنه ليس كل أحد يكون عنده ما يطبخ فيه.

كذلك مما يوقفونه -أيضا- الطاحونة التي هي الرحى، قد لا يعرفها كثير من الحاضرين، وهي عبارة عن حجرين مدورين أحدهما فوق الآخر يطحن بها القمح البر والذرة ونحوه، يديرونها إلى أن يخرج الدقيق من حافاتها. فيوجد -قديما- في القرى في بيت فلان رحى مسبلة؛ نذهب نطحن فيها، في بيت آل فلان رحى قد سبلها، وهكذا فهذه بلا شك أنها من الأسبال التي يؤجر من يوقفها.

والأمثلة كثيرة يعني: يحتسبون الأجر في تسبيل هذه الأشياء، فكل من سبل شيئًا فيه منفعة، حتى ولو ثوبًا أو ثيابًا تلبس في أيام العيد أو في أيام الحفلات، يكون له أجره على لباسه.

ويسبلون -أيضا- الأسلحة التي يقاتل بها، فيسبل عدة سيوف لمن يقاتل أو رماح لمن يقاتل في سبيل الله، أو كذلك الأقواس -القوس الذي يرمى به قديما - وبعدما وجدت البنادق يسبل كثير منهم بهذه الأسلحة الجديدة، ويجعلها وقفًا لمن يقاتل بها في سبيل الله، وكذلك الدروع التي يلبسونها يتحصنون بها من وقع السلاح: الجوشن وكذلك المغفر الذي يوضع على الرأس.

يسبلون أمثال هذه يبتغون بذلك الأجر؛ لأن"من جهز غازيًا فقد غزا"فيبقى له أجره ما دام أنه يقاتل بهذا السيف، فيكون قد ساعد على قتال المشركين، أو يقاتل على هذه الفرس فله أجره؛ لأنه نفع المسلمين بها في الجهاد وما أشبه ذلك -فهذه كلها تعتبر على بر.

استثنوا أن يقف مسلم على ذمي أو ذمي على مسلم، يجوز ذلك ولو لم يكن فيه بر، إلا أن فيه بر القرابة. ذكروا أن صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- كان لها قريب يهودي، فدعته حتى يسلم. قالت: أسلم حتى تريحني. ففكر ثم قال: لا أترك ديني؛ لأجل أن يقال: ترك دينه لأجل هذه المصلحة. فأصر على بقائه على يهوديته، وأحبت أن تصله لأجل القرابة، فوقفت وقفًا كدار وجعلت غلتها عليه -على ابن أخيها هذا أو قريبها- من باب صلة الرحم.

فاستدلوا بذلك على أنه يجوز الوقف على غير المسلم إذا كان لقرابة بينهما، وكذلك لو كان الواقف هو الذمي يعني: يهودي له ذمة ونصراني له ذمة، وقف على المسلمين: بنى لهم مسجدًا، أو أصلح لهم طريقًا، أو سبل لهم مقبرة، أو سبل - مثلا - نعشًا يحمل عليه الموتى أو يغسل عليه، ولو كان الذي سبله يهودي ذمي.

لكن لما كان مما ينتفع به قبل الانتفاع به، ونفذ ذلك، وصار وقفًا على المسلمين.

ثم قولهم:"إنه ينتفع بها مع بقاء عينها"يخرج بذلك مالا ينتفع به إلا بإتلافه فإنه لا يسمي موقوفًا. فلو قال: وقفت كيس هذا الأرز، لا يسمى هذا وقفًا؛ لأنه يتلف بالأكل يأكلون منه يومًا ويومًا ثم ينتهي فلا يسمي وقفًا.

وإذا قال: - مثلا - وقفت هذا الشمع على هذا المسجد، الشمع -أيضا- يحترق شيئًا فشيئًا؛ لأنه يوقد بالشحم أو الزيت المجمد فلا ينتفع به إلا بإتلافه، ومثل هذا لا يسمي وقفًا لأنه يفنى باستعماله. بخلاف ما إذا قال: وقفت هذا السراج أو هذه النجفات و نحوها هذه تسمي وقفًا؛ لأنه ينتفع بها مع بقائها.

ولو كان يتلف بالاستعمال الطويل كالثوب يتلف بالاستعمال، ولكن يصح وقفة؛ لأنه ينتفع به مدة. والحذاء - مثلا - إذا وقف هذه الأحذية على المساكين، أو على المصلين أو ما أشبه ذلك، وكذلك إذا وقف بئرًا فيها ماء فإنه ينتفع بمائها؛ لأن الماء -ولو كان يستهلك- ولكن يستخلف ينزح منها ثم يأتي بدل الماء.

فيصح وقف البئر ليشرب منها، ويصح وقف الأحواض التي يصب فيها الماء، ويصح وقف الدلو الذي ينتزع به من البئر، يكون وقفه مساعدة على أجل استخراج الماء من البئر.

وفى هذه الأزمنة يصح وقف الماكينة المضخة التي ينتزع بها الماء من البئر، ويصح وقف وقودها ونحوه، إذا وقف - مثلا - دارً وقال غلة هذه الدار وأجرة هذه الدار تصلح منها هذه الماكينة، ويشترى لها محروقات - مثلا - التي يجتذب بها هذا الماء، وتسقى هذا النخل الذي ثمرته وقف على هؤلاء الصائمين أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك مما ينتفع به مع بقاء عينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت