وإذا حلف -مثلا- أن يذبح في هذا الشهر بعيرا، البعير عند العامة في هذه المملكة: هو الجمل، ما يعرفون الجمل إلا أنه بعير، وأما البعير عند العرب فيدخل فيه الناقة، الناقة بعير لأنها تركب، والجمل بعير، إذا أرادوا أن يفرقوا بينهما قالوا: ناقة وجمل، إذا قال عند العرب: عندي بعير. قال: ناقة أم جمل؟
فيسمون الناقة بعيرا، ولكن الناس في هذه المملكة ما يعرفون البعير إلا أنه هو الجمل، فإذا حلف أن يذبح بعيرا ما تبر يمينه إلا إذا ذبح جملا.
فهذا معنى:"مبنى يمين على العرف"، فإن كان العرف غير موجود في هذه اليمين رُجِعَ إلى نية الحالف الذي ليس بظالم؛ وذلك لأنه قد يحلف على شيء، وتكون نيته أنه يؤكد الشيء، فمن حلف -مثلا- قال: والله لأقضينك حقك يوم الجمعة. أنت طالبته بالدين فحلف، والله لأقضينك حقك يوم الجمعة، ثم قضاك يوم الخميس، أو يوم الأربعاء، هل يحنث؟ لا يحنث؛ لأنه ما أراد إلا العجلة، أن يُعجِّل حقك لك قريبا، فقد عجله قبل موعده، فلا يحنث والحال هذه، نيته بهذه اليمين نية صادقة، وهي التعجيل.
أما إذا كان ظالما فلا تنفعه هذه النية، الظالم هو الذي يحلف بنية يتأول فيها، فإذا حلف -مثلا-: والله ما لك عندي شيء. وتأول وقال: عنيت بشيء: مأكولا، ما تنفعه نيته، يعني: كلمة شيء تدخل فيها النقود، وتدخل فيها الأكسية وما أشبه ذلك، فهذه نية ظالم.
يقول: ذكروا أن هذا عند الاحتمال، إذا كان بره يحتملها، فإذا قال -مثلا-: والله لا أبيت تحت السماء، لا أبيت تحت السماء هذه الليلة، وقال: نيتي بالسماء السقف؛ لأن الله قال: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [1] يعني: إلى السقف، أنه محتمل، نيته محتملة.
أو كذلك قال: والله لا أبيت تحت بناء. وأراد بالبناء المنزل المبني، نيته محتملة، فالحاصل أنه يُرْجَع في نيته إلى العرف، ثم إلى ما هَيَّجَ اليمين، ثم إلى حقيقة الشيء.
وتكلموا هاهنا -أيضا- على الحقيقة، وقالوا: إن الحقيقة حقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، فالحقيقة الشرعية -مثلا- كالصلاة، الصلاة حقيقة لهذه العبادة التي فيها ركوع وسجود، ولكن أصلها في اللغة الدعاء، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [2] أي: ادع لهم.
فإذا حلف -مثلا-: لا أصلي في هذا المسجد هذا اليوم. دخل ودعا فيه، ما يحنث؛ لأنه أراد بالصلاة الصلاة الشرعية.
الفصل بعده يتعلق بالنذر، وتوسع في النذر أكثر من غيره، يقول:"يُعَرِّفُون النذر بأنه أن يلزم الإنسان نفسه ما لم يجب عليه شرعا". ما ليس بواجب في أصل الشرع، كأن يقول -مثلا-: لله علي أن أصوم في هذا الشهر خمسة أيام. يسمى هذا نذرا.
وأما إذا قال: لله علي أن أصلي في هذا اليوم خمس صلوات، ظهرا وعصرا ومغرب وعشاء وفجرا، هل يسمى هذا نذرا؟ لا يسمى نذرا؛ لأنه قد أوجبه الله، ما أوجبته على نفسك، النذر هو الذي توجبه على نفسك.
إذا قال -مثلا-: والله لأخرجن زكاتي هذا العام. ما يسمى هذا نذرا؛ لأن زكاته واجبة عليه، أما إذا قال: والله لأتصدقن في هذا الشهر بألف من غير الزكاة. فهذا نذر؛ لأنه زائد على الزكاة.
(1) - سورة الحج آية: 15.
(2) - سورة التوبة آية: 103.